Advertisement

عنوان الموضوع الأول

تضع هنا نبذة مختصرة عن الموضوع المراد وضعه , هذا القالب من تعريب أخوكم : باســم .

عنوان الموضوع الثاني

تضع هنا نبذة مختصرة عن الموضوع المراد وضعه , هذا القالب من تعريب أخوكم : باســم .

عنوان الموضوع الثالث

تضع هنا نبذة مختصرة عن الموضوع المراد وضعه , هذا القالب من تعريب أخوكم : باســم .

عنوان الموضوع الرابع

تضع هنا نبذة مختصرة عن الموضوع المراد وضعه , هذا القالب من تعريب أخوكم : باســم .

عنوان الموضوع الخامس

تضع هنا نبذة مختصرة عن الموضوع المراد وضعه , هذا القالب من تعريب أخوكم : باســم .

تدین وروشنة وسیارات مرسیدس





التغیرات الاجتماعیة التي تراھا مصر في الآونة الأخیرة عاصفة وعاتیة ومن المحتم أن تلد شیئًا ما .. ھناك أشیاء لم
یكن أحد یجسر على التفكیر فیھا بھا منذ خمسة أو ستة أعوام، والیوم صار الكلام عنھا مملاً.. الأمثلة كثیرة
ویصعب حصرھا، لكن العقل یستحضر من على السطح البرنامج التلفزیوني المذاع على الھواء الذي یتشاجر فیھ أبو
الفتاة الحامل مع أبي الفتى الذي غرر بھا، ولا ھدف للبرنامج إلا تقدیم نوع مسل من مصارعة الدیوك للمشاھدین
أثناء تناول العشاء .. المعارك الطائفیة تبرز للسطح بوضوح تام ویتم تداولھا بلا ھمس، ویقول أتباع كل دین عن
الآخر ما لم تتصوره إلا في كوابیسك .. النقد الصریح جدًا الموجھ للحاكم وابنھ دون أن یدل ھذا على مكسب
حقیقي في الحریات .. بل إن الحكومة استغلت ھذه الجرأة كالعادة لصالحھا، ووضعت المعارضة في خانة معدة لھا
سلفًا ھي خانة (أیھا العالم ..كیف لا أكون دیمقراطیة وھم یشتمونني بھذه الجرأة دون أن أسحلھم في الشوارع ؟)..
والمعارضة متحمسة لا تعرف أنھا تلعب دورًا رسم لھا من قبل ألا وھو تجمیل النظام.. والحقیقة – كما یقول د.
جلال أمین - أن ھذا التسامح یمكن أن ینقلب على الفور لو عبثت بواحد من مقدسات الحكومة الحقیقیة مثل (الكویز)
وتصدیر الغاز لإسرائیل أو دعوت إلى عصیان مدني وھو الحل الوحید الممكن لإسقاط النظام .. عندھا سترى أنیاب
الدولة الحقیقیة ..
واحدًا تلو الآخر یتھاوى أحد التابوھات السابقة. یقول الزمیل مؤمن المحمدي في مقال لھ بالدستور: "عندما یغني
اللنبي ( وقف الخلق) وھو ثمل فإنھ یخرق اثنین من المقدسات: الأغاني الوطنیة وأم كلثوم التي اعتدنا أن نعتبرھا
مصر بشكل ما .. "
لكن التغییر الذي وجدتھ فاحشًا ویھدم الكثیر من المسلمات عندي ھو ھذا (الفجر) – بضم الفاء – الذي تتعامل بھ
الإعلانات التلفزیونیة ھذا العام ..
في دراسة ممتعة في (الإیكونومیست) قرأت عن تجربة قام بھا أحد أساتذة سیكولوجیة الإعلان الذي قال إن ھناك
طریقتین للإقناع .. الطریقة ألفا التي تقوم على ترغیبك في السلعة، والطریقة جاما التي تقوم على إزالة مقاومتك ..
الإغراق مھم جدًا للطریقة جاما .. دعك من التظاھر بالدقة .. عندما أرسل ھذا العالم تلامیذه یتسولون خمسة
دولارات لم ینل أحدھم شیئًا، بینما عندما تسولوا سبعة دولارات ونصفًا حصلوا علیھا !... إن مبلغ سبعة دولارات
ونصف معقد لا یسمح بالتفكیر ویزیل بالتالي مقاومتك غیر الشعوریة .. ھذا یفسر ال 19.99 الشھیرة في أسعار
السلع ، ویبدو أن سیكولوجیة الإعلان عندنا تلعب على الطریقة جاما لكنھا كي تھدم مقاومتك تحاول تسفیھ ما كنت
تؤمن بھ من قبل .. أنت كنت مخدوعًا واھمًا .. فلتفق وتشتر سلعتنا ..
منذ زمن بعید وقیمة الكفاح والعمل معنى مقدس لا یمكن المساس بھ، لكن إعلانات التلفزیون اخترقت ھذا التابو
ببساطة .. المھندس عباس كافح في تعمیر الصحراء عشرین سنة حتى صار شیخًا أصلع مھدمًا واشترى سیارة
مرسیدس .. یا لھ من أحمق !.. بینما الولد الروش فلان أتصل برقم ھاتفي من ( 0900 ) وعلى الفور حصل على
نفس السیارة .. !
ھكذا في ثوان سخر الإعلان من قیم الكفاح ومن تعمیر الصحراء ومن كل شيء .. لم تعد ھناك قیمة في العالم إلا
الروشنة والاتصالات ..
بدأ الأمر على استحیاء مع بدایة الانفتاح في أوائل الثمانینات، عندما سمح التلفزیون لمظاھرة شعبیة بأن تظھر على
شاشتھ .. كانت مظاھرة تردد من حناجر بحت بالھتاف: مش عاوزة سؤال طبعًا مینرال !.. ھؤلاء ناس حملوا قلوبھم على أیدیھم وودعوا أطفالھم من أجل القضیة الوحیدة التي تھم ومن أجلھا نضحي بكل مرتخص وغال: المیاه
المعدنیة ..
بعدھا رأینا مع ھشام سلیم كیف أن شرائح البطاطس المقلیة ھي العامل الوحید الذي یجمع طبقات الشعب وكل فئاتھ
.. وظھر أحمد السقا الذي یضغط علیھ الزبانیة ویعذبونھ وھو مربوط في قبو مخیف، لكنھ مصر على الھتاف من
أجل قضیتھ: حاجة ساقعة ببسي .. ویوشك أن یقول: والله لأموتن علیھا ..
الفتى (الروش) یعاني من أن أباه في العیادة طول الیوم لا یفعل شیئًا إلا أن یعد المال .. لكن أنا (مكبر دماغي
وبشرب مش عارف إیھ كده)..
حتى طریقة نطق الحروف السریعة ذاتھا توحي بالاستھتار .. ھناك مذیع إعلانات لا أعرف اسمھ لكنھ دخل ھذا
المجال مع ظاھرة (طارق نور) في بدایات الانفتاح، ویوشك أن یكون المذیع الأوحد الآن. ھو الذي نسمع صوتھ
یقول: (أمیییر كرارة) في البرنامج الشھیر .. ھذا الصوت الرفیع المنبھر دائمًا یعبر أصدق تعبیر عن السعار
الاستھلاكي الذي أدخلنا فیھ السادات، فلو كان لھذا السعار صوت لكان صوتھ .. الحق نفسك .. وفر فلوسك ..
انسف .. جدد .. اشتر الآن ..
المجال الثاني الذي خرقت فیھ الإعلانات التابو ھو مجال الدین .. ھذه ظاھرة ذكیة أخرى تستغل (إیمان الروشنة)
تلك الظاھرة الجدیدة التي تغزو أوساط الشباب .. الشباب الثري أو المستریح یشعر بتأنیب الضمیر بین دنیا مغریة
ودین ینادیھ فیتخذ ھذا الحل الوسط . اللحیة الأنیقة القصیرة والبدلة السوداء والعطر الفاخر والموبایل مع التدین ..
ھكذا یشعر بأنھ جمع بین الدنیا والدین، وھذه الظاھرة ھي التي أفرزت الحجاب الذي یُلبس على الجینز أو الثیاب
الضیقة مع ماكیاج كامل یدغدغ في الرجل الشرقي ذكریات عصر الجواري؛ فالفتاة تلبس ما تحب لكنھا تضع
إصبعیھا في عین من یجرؤ على أن یطالبھا بالحجاب الصحیح.. ولو لم تجد لھا مكانًا محجوزًا في الجنة فلسوف
تندھش بحق. من أفضل ما أفرزتھ ھذه الظاھرة على كل حال ذلك الشاب عمرو خالد الذي ھو صورة أنیقة
معاصرة للداعیة، والذي ینسخ الشباب محاضراتھ ویتداولونھا عبر شبكة الإنترنت ..لم ترحم الإعلانات ظاھرة
التدین ھذه وقررت أنھا مفیدة جدًا .. لقد انتھى عصر صوت محمد الطوخي الوقور المتھدج الذي یقول : وھبة
الجزء عشرة جنیھات .. للمرة الأولى نسمع عن حج خمس نجوم وعن إیمان الموبایلات .. ھناك إعلان جذاب یسمع
فیھ الشباب أغنیة دینیة من الموبایل فیتركون لعب الاسكواش – نشاط الشباب المصري المعتاد – لیلبوا النداء..
وھكذا تصل الرسالة: اشتروا خطوط الموبایل الجدیدة واعطوني مالكم كي ننعم جمیعًا بلذة الإیمان ومستقبل باھر في
حب مصر ..
ماذا یفعلون بك یا وطني ؟.. ھل ھم شیاطین تتحرك طبقًا لخطة مرسومة أم ھم مجرد بلھاء متخبطین لا یھمھم إلا
الثراء ؟.. لا أدري . لكنني أرى مستقبلاً باسمًا من الشباب الروش الذي یكسب سیارة مرسیدس بالموبایل ویتبادل
الأغاني الدینیة ویؤمن أن المھندس عباس الذي عمر الصحراء أحمق .. فقط أدعو الله أن یقبض روحي قبل أن أقتنع
وأجري أول اتصال برقم ( 0900 ) اللعین !

عن أدب الرعب في بلد مرعوب.....!





لیرحمھ الله لأنھ قد توفاه قطعًا .. عم (أبو الیزید) البواب النوبي العجوز طیب القلب، وغرفتھ الضیقة العامرة
بالبراغیث تحت سلم حضانة (حمایة الأسرة) بطنطا، وغذاؤه الذي لا یتغیر .. رغیف الخبز الأسمر والباذنجان
الأسود المخلل الذي كنت أشعر دومًا بأنھ جزء من بشرتھ ھو نفسھ .. أذكر بجلاء كیف أنقذ عم (أبو الیزید) حیاتي
وحیاة خمسة من زملاء الحضانة عندما أخفانا في غرفتھ في ذلك الیوم من صیف 1967 عندما جن جنون (عبد
الناصر) فأرسل رجالھ یسحبون الدم من بطون الأطفال. یومھا جرنا عم (أبو الیزید) إلى غرفتھ ونظر حولھ بحذر
ثم قال لنا ھامسًا بلھجتھ النوبیة الساحرة وبیاض عینیھ الأصفر یلتمع:
"إنتي تقعدي ساكتة لاھسن عبد الناصر یاخد دم من بطنك"
وھكذا جلسنا صامتین في غرفتھ ونحن نتخیل ما یحدث للتعساء الذین یصرخون في الخارج، بینما رجال عبد
الناصر یقیدونھم ویدسون الخراطیم ماصة الدماء في أحشائھم.. وأكلنا الكثیر من الباذنجان الأسود على سبیل تزجیة
الوقت، وبعد ساعة رأیت أمي تركض إلى الحضانة .. لم أرھا قط بھذا المنظر المبعثر المذعور المنھك .. نقدت
الرجل الطیب بعض المال ثم أخذتني وراحت تجتاز الشوارع الخلفیة حتى لا تقابل مصاصي الدماء الحكومیین.
وفي الطریق إلى الدار رأیت النسوة یركضن في كل صوب صارخات وعلى وجوھھن ذات التعبیر الذي رأیتھ على
وجھ أمي.. شرحت لي أمي كیف أن ھناك أزمة في الدماء بعد ھزیمة جیشنا في سیناء، وكیف أن عبد الناصر
أصدر أوامره لرجالھ أن یمروا على المدارس لیسحبوا الدماء من بطون الأطفال..
فیما بعد عرفت أننا كنا في ذروة انعدام الوزن بعد ما فقدنا ثقتنا في النسر الأسطوري الجمیل الذي جاء من أعماق
التاریخ لیھزم الاستعمار ویوحد العرب ... وكنا على استعداد لتصدیق أي شيء مھما كان سخیفًا .. إن ھذه الإشاعة
لا تصمد لأي تحلیل متأن .. فلیس الأطفال بالمصدر الأفضل للدماء، ولو كان ھذا صحیحًا فالدماء لا تؤخذ من
البطون .. لكنھا إشاعة صممت ببراعة لتجمع بین البشاعة (دم یؤخذ من البطن) وإلھاب المشاعر (لا أحد یطیق
إیذاء الأطفال)... إشاعة صممت كي تحدث ھیاجًا شعبیًا تصعب السیطرة علیھ..
كان ھذا أول عھدي بالإشاعات .. وفیما بعد قرأت كتاب صلاح نصر عن الحرب النفسیة وسیكولوجیة الإشاعة،
فوجدت أن ھذه الإشاعة من أبرع ما تم تصمیمھ لبلد یھوى تصدیق كل شيء ..
كتاب صلاح نصر ذاتھ كان مصدر رعب لا یوصف لنا لأن السلطة غضبت على الرجل، وصار من یقتني كتابھ
عمیلاً أو – على أقل تقدیر – وغدًا .. أبي لم یرد التخلص من ھذا الكتاب الثمین لھذا أخفاه تحت الفراش .. وعشنا
أعوامًا نتوقع أن یقتحم رجال المباحث البیت لیخرجوا الكتاب من مكانھ، ثم یوقفونا صفًا إلى الحائط ویفرغوا فینا
الرصاص ..
أعتقد أنك قد فھمت الآن موضوع المقال باختصار شدید .. طالما سألوني عن مستقبل أدب الرعب في مصر، فكنت
أقول بثقة: لا مستقبل لھ .. لیس الآن .. نحتاج إلى مائة عام على الأقل ودرجة معینة من الترف الفكري والاجتماعي
والحضاري حتى نقرر أن نرعب أنفسنا بأنفسنا .. لیس ھذا كلامي بل كلام عمید كتاب الرعب في القرن العشرین
ھ .ب. لافكرافت .. یقول الرجل في مقال شھیر جدًا كتبھ عام 1926 ویحمل اسم (الرعب الخوارقي في الأدب):
"یحتاج تذوق أدب الرعب إلى قدرة تخیلیة عالیة عند القارئ .. بالإضافة إلى قدرتھ على التجرد مما یحیط بھ من
مؤثرات". كانت أمریكا مشغولة ببناء نفسھا عندما كتب لافكرافت، لھذا عاش الرجل حیاة ضنكًا ومات فقیرًا. نفس
الشيء ینطبق على إدجار آلان بو مواطنھ الذي كان یغري القط بالنوم على قدمي زوجتھ المریضة لتدفئتھا.. إن محاولة قراءة لافكرافت وقت الظھیرة وسط زحام المواصلات تجعلك تعتقد أن ھذا الرجل مخبول أو (رایق) لدرجة
تثیر الغیظ ..
أذكر أن فیلم (حرب الكواكب) – حروب النجم إذا شئت الدقة - لم ینجح في مصر .. وقتھا كتب الناقد الراحل
الرائع سامي السلاموني: الفیلم یدأ بعبارة تقول (حدث ذات مرة في زمن بعید في مجرة بعیدة .. بعیدة).. ھكذا فقد
الفیلم أیة أرضیة لھ لدى المشاھد المصري الذي لا یستطیع السیر في شارع سلیمان دون ان ینكسر عنقھ .. فكیف
یبالي بما یحدث في مجرة بعیدة في زمن بعید ؟!!
الناس تعشق أدب الرعب لتتطھر من مخاوفھا الخاصة .. أن تعیش أفظع التجارب بشكل مقنن لتزداد ثقة في قدرتھا
على البقاء .. باختصار أدب الرعب ھو بروفة موت دائمة...
لماذا یبحث المرء عن بروفة موت وھمیة إذا كان فعلاً في بروفة موت واقعیة دائمة ؟.. ماذا عن محاولة عبور
الشارع وسط المیكروباصات المجنونة بسائقیھا (المسجلین خطر) التي تحاول أن تدھم أكبر عدد من المارة ؟.. ماذا
عن الوثب من الأتوبیس ؟.. ولو كنت تملك سیارة فماذا عن لجنة المرور ومحاولتك ألا تنظر أكثر من اللازم إلى
الباشا كي لا یأمرك: إركن .. ماذا عن شھادة المخالفات لو وجدت أن علیك ثلاثة آلاف جنیھات بسبب استعمال آلة
التنبیھ ؟.. ھل یمكن القیادة في مصر من دون آلة تنبیھ ؟.. كیف سمعوا آلة تنبھك أنت بالذات وسط ھذه الضوضاء ؟
ماذا عن فاتورة الكھرباء القادمة؟.. وماذا عن فاتورة الھاتف القادمة ؟.. ماذا تفعلھ لو وجدت أنھم یطالبونك بخمسین
ألفًا من الجنیھات لاستخدامك خدمة زیرو تسعمائة أو مكالمات موبایل لم تجرھا ؟.. ھل تتركھم (یشیلوا العدة ) ؟..
وماذا عن إخطار جلسة المحكمة الذي لم تتسلمھ وقد یؤدي بك لدخول السجن دون أن تعرف السبب ؟
ثم ماذا عن أساسات العمارة التي دفعت دم قلبك للحصول على شقة فیھا ؟.. ھل كان المقاول نصابًا ؟... ھل تتحمل
الزلزال القادم ؟.. ھل تسقط فجأة من دون زلزال لتجد نفسك في الشارع تتسول أو تجد نفسك تحت الأنقاض وتطلع
في نشرة التاسعة ؟
وماذا عن مدخراتك لو كنت تملك شیئًا ؟... ما ھو القرار الجدید لمجموعة الاقتصادیین الھواة الذین یجتمعون كل
صباح باحثین عن وسیلة جدیدة لخراب بیتك ؟... لقد صار كل جنیھ في جیبك أربعین قرشًا خلال عامین فھل
تتحول الأربعون قرشًا إلى نكلة ؟ ... ماذا عن راتبك ؟.. ھل ستظل تتقاضاه أم یقول لك عم جابر الصراف: (اتكل
على الله) یومًا ما ...؟.. واللحم ؟... كیف یمكن أن تشتري اللحم یوم یصیر ثمنھ ستین جنیھًا ؟ وھذا سیحدث بإذن
واحد أحد لأنھ ما من أحد یبالي بمصائبك سواك ...
ماذا عن كوب الماء الذي تشربھ والھواء الملوث الذي تتنفسھ ؟.. ماذا عن الفراخ المحشوة بالھرمونات ؟.. ھل لعبة
الجینات تدور الآن في كبدك لتتكون تلك الخلیة المحندقة الشقیة التي تصر على ألا تموت ؟... ھكذا یولد السرطان
ببطء لكن بثقة ... كل معارفك وجدوا ذلك الورم في اكبادھم ویبدو أن من لا یجد سرطانًا في كبده الیوم إنسان
محظوظ فعلاً..
وماذا عن الكتابة مع المشاغب إبراھیم عیسى في مكان واحد ؟.. كنت دائمًا أنبھر بشجاعة ھذا الرجل لكني أجد فیھ
كذلك تضخمًا لغریزة الفناء الفرویدیة... تشعر طول الوقت بأنھ یتوق إلى أن یتم تدمیره وأن یعود لحالة ذرة الكربون
المسالمة .. في كتاب (عمائم وخناجر) وصل الأمر إلى أنھ وصف مكانھ بدقة في بنایة روز الیوسف كي یسھل
الأمر على من یرید ذبحھ.. طیب ھو دماغھ كده .. لكن ما ذنبك أنت ؟
ماذا عن زوار الفجر ؟.. وماذا عن صوت البوكس لو وقف تحت شرفتك في الرابعة صباحًا وجاء (عادل بیھ) یقول
لزوجتك إنھم یریدونك لمدة نصف ساعة لا أكثر .. "مجرد إجراءات روتینیة".. ثم تذھب فلا یعرف لك الذباب الأزرق طریقًا ؟.. ترى ھل تتحمل التعلیق على عروسة والنفخ ؟... یمكنك أن ترحم نفسك وتعترف ولكن بأي
شيء بالضبط ؟
ماذا عن ابنتك العائدة من الكلیة وقد بدأ الظلام یحل ؟.. ماذا عن ابنك وتلك الشلة المریبة تحیط بھ ؟.. كم من الوقت
یلزم قبل أن یقدم لھ أحدھم أول جرعة من البرشام ؟... وامتحان الثانویة العامة .. ھل ھو من المنھج أم خارجھ ؟..
الامتحان من المنھج یبشر بتحویلھ إلى حمار، والامتحان خارج المنھج یھدد بألا یجد كلیة تقبلھ إلا (معھد الدراسات
المحلیة التناظریة التعاونیة) . وماذا عن جلوسھ في البیت بلا عمل بعد التخرج ؟... ینظر لك بعینین متھمتین یطالبك
بعمل شيء ... مش خلفتونا ؟... یبقى تتصرفوا ...
ماذا عن أزمة المیاه واتفاقیات حوض النیل ؟.. ماذا عن قناة سویس إسرائیل البدیلة ؟.. ماذا عن ثقب الأوزون
والتسخین الحراري ؟...
الحقیقة أن الناس في مصر محظوظون .. فھم لیسوا بحاجة إلى قراءة أدب الرعب لممارسة بروفة الموت .. إن
الرعب ضیف دائم معھم خاصة أسوأ أنواعھ: الخوف من الغد .. وكلما أمعنت النظر في المسألة ازداد اقتناعي بأن
ستیفن كنج واحد فاضي .. وأن لافكرافت راجل (موش تمام). لیرحم الله الجمیع.

فار الجمالیة






كنت وزوجتي نشاھد (شعبان عبد الرحیم) في حلقة من برنامج (من یربح الملیون).. وكان المذیع یسألھ أسئلة تافھة
لكن المطرب الشعبي لا یجیب عن شيء منھا، وھكذا بدأ المذیع یلمح لھ بالأجوبة ویسمح لھ بالربح .. كل ھذا مع
ضحكات المشاھدین واسطوانات (شعبان) المعروفة عن ثیابھ التي یشتریھا من وكالة البلح ورغبتھ في العودة إلى
المكوة لأن الطرب لم یعد كما كان ..الخ .. في النھایة استطاع أن یحصل على مائة وخمسین ألفًا من الجنیھات في
بضع دقائق.. قالت زوجتي إن ھذا الرجل محدود الذكاء بشكل غیر مسبوق، لكن رأیي كان مختلفًا .. لقد خدع
المشاھدین والمذیع الوسیم وسخر منھم بمنتھى الخبث ..نحن خرجنا بإحساس زائف بالتفوق والذكاء وھو خرج بمائة
وخمسین ألفًا فمن الأذكى ؟..ومن الغبي الحقیقي ھنا ؟
الأمر كلھ یذكرني بقصة المتسول الذي كان السیاح یعرضون علیھ أن یختار بین عشرة دولارات وربع جنیھ، فكان
یختار الربع في كل مرة .. إلى أن لامھ أحدھم على غبائھ الشدید .. كیف تختار یا أبلھ ربع جنیھ وتترك عشرة
دولارات ؟.. كانت إجابة المتسول المفحمة ھي: لو اخترت عشرة الدولارات لكف السیاح عن المجيء لرؤیة
بلاھتي، ولقطعت مصدر رزقي !
ثمة قصة مماثلة عن التجار المصریین أیام الحملة الفرنسیة، وكیف كانوا یرفضون العملات الذھبیة لكنھم یقبلون
أزرار الجنود الفرنسیین النحاسیة ثمنًا لما یبیعونھ لھم .. وقد تسلى الفرنسیون بھؤلاء الحمقى كثیرًا.. ثم اتضح فیما
بعد أن المصریین لم یریدوا الاحتفاظ بعملات ذھبیة فرنسیة لأن الفرنسیین سیرحلون حتمًا، ولسوف تعود جیوش
مراد بك لتعدم من تجد معھ ھذه العملات بتھمة الخیانة.. بینما الأزرار النحاسیة تعني أن المصري قتل جندیًا فرنسیًا
أو سرقھ .. دعك من أن سعرھا سیرتفع مع الوقت !
لماذا أذكر ھذه الأمثلة على (النصاحة المصریة) المعھودة ؟.. السبب ھو أنني في إحدى الصحف الحزبیة رأیت
صورة لواحدة من مظاھرات حركة (لسھ) - كما أسمیھا - المناھضة لحركة (كفایة)، وكانت تظھر فلاحین من
قریة ما یحملان لافتة تحمل تأییدًا لرئیس الجمھوریة الحالي – وھذا من حقھما – لكنھا كذلك تحمل عبارة (لا لفار
الجمالیة .. اللي عاوز یبقى رئیس جمھوریة).. لا أعرف شیئًا عن الذي تھاجمھ ھذه اللافتة، ولیس موضوعي ھنا
تأیید حركة (لسة) أم حركة (كفایة) .. إنما ما أثار دھشتي ودفعني للتفكیر ھي تلك الطریقة الفظة في مھاجمة الخصم
.. ضرب تحت الحزام لا یتورع عن الإھانة والتشھیر.. وھذا یذكرني بصفحة كاملة نشرت في جریدة الأخبار في
عھد (موسى صبري – السادات)، والصفحة ملیئة بخطابات القراء الذین یھاجمون الأستاذ (خالد محیي الدین) بأقذع
القول، وبعبارات أثارت خجلي برغم أنني كنت في المدرسة الإعدادیة وقتھا .. كأن كل الناس في مصر حلوا
مشاكلھم ولم یعد لھم من ھم إلا التعبیر عن مقتھم الملحمي الأسطوري ل (خالد محیي الدین)، وترى التوقیع تحت
كل خطاب فتجد أسماء یستحیل التیقن من صحتھا على غرار (محمد أمین – القاھرة).. الخ ..
طبعًا كان التلفیق واضحًا بشكل فاضح في تلك الصفحة، لكن تلك اللافتة التي أتحدث عنھا صادقة بلا شك .. أعني
أن أھل القریة ھم الذین كتبوھا ولیس (موسى صبري)..
وتنظر لوجھ الرجلین الظاھرین في الصورة فترى العنف والقوة والصفاقة .. واضح أنھما فلاحان وأنھما من
الموسرین، وأنھما منغمسان حتى الآذان في ھذا الشيء الغامض الذي یجمعون من ورائھ الملایین والمدعو (محلیات). ھناك أذونات اسمنت في الموضوع وتقسیم أراض وأشیاء من ھذه التي لا أفھمھا بسبب غبائي الذي
اقترب من حدود التخلف العقلي..
الصفاقة على وجھ الرجلین مألوفة ورأیتھا ألف مرة من قبل .. إنھ تنمر المصري عندما یعرف أنك لن تفیده ولن
تضره.. وجھ منادي السیارات الذي لم یرق لھ ما دفعتھ .. وجھ الكمساري الذي أدرك انك لن تتنازل لھ عن الباقي
..وجھ النادل الذي أدرك أنك لن تدفع بقشیشًا ..
منذ أعوام طوال كانت ھناك انتخابات صاخبة بالغة الأھمیة في مجلس الشعب .. وكنت أجلس في إحدى الوحدات
الصحیة مع كاتب الوحدة العجوز الطیب الذي یذكرك بصور (بابا نویل).. قلت لھ إن التغیرات القادمة مھمة جدًا،
فقال في حكمة: مش حیفوز إلا الحكومة یا دكتور .. یعني أنا یبقى القلم في أیدي وأكتب نفسي تعیس ؟.. لا والله ..
لازم اكتب نفسي سعید ...
تأملت عبارتھ طویلاً وفكرت .. ھذه ھي الحكمة التي اختزنھا المصري عبر قرون وقطرھا وركزھا .. ھذا الرجل
لم یقرأ كتابًا واحدًا في حیاتھ لكنھ ارتشف الحكمة من الأرض ذاتھا .. وأمامھ أبدو أنا الطبیب المثقف - كما أفترض
- ساذجًا..
لقد اكتسب المصري حساسیة خاصة بھ تجعلھ یعرف اتجاه الریح ویعرف أین ستكون مصلحتھ وأین ینتظر الخطر
.. تلك الغریزة التي یفقدھا المثقفون بسھولة تامة.. یقولون إن قبائل البوشمان تملك حاسة التنبؤ وحاسة قراءة
الأفكار، بینما الحضارة تنسف ھاتین الحاستین نسفًا .. ویبدو أن القیاس ھنا صحیح أیضًا .. وأنا لا أتكلم عن الذكاء
.. أتكلم عن غریزة فطریة تشعر المصري العادي بما ستتجھ إلیھ الأمور .. وھي لا تخطئ أبدًا ..
أھالي تلك القریة عرفوا بفطرتھم اتجاه الریح .. فأر الجمالیة ھذا لن یصیر رئیس جمھوریة أبدًا وإلا بدأ عھده
بخراب بیوتھم .. لھذا خرجوا یؤیدون الجواد الرابح ویسبون الجواد الخاسر قبل أن تبدأ المباراة ..كاتب الوحدة
العجوز عرف الحصان الرابح ببساطة بالغة ..
لماذا یرسم الناس في الأحیاء الشعبیة صورة مبارك على شرفات بیوتھم ویرسمون على الجانب الآخر صورة
(جمال مبارك) ؟..لقد فھمھا الوجدان الشعبي (وھي طایرة) وھو لیس على استعداد لأن یقف في الجانب الخاسر أبدا
أمریكا تطالب بالدیمقراطیة .. أبلة (كوندي) تضغط وتھدد .. المثقفون یتحمسون ویلوحون باللافتات ویتكلمون عن
ریاح التغییر القادمة، لكن المصري العادي أذكى من ھذا كلھ .. یعرف أنھا (ھوجة) وتزول، وان أمریكا لا یھمھا
من الدیمقراطیة إلا ما تمنحھ من وسائل ضغط تبدو مشروعة .. أمریكا یھمھا البترول وإسرائیل فقط، وبعد ھذا
فلتذھب المنطقة كلھا للجحیم .. سوف تنتھي الھوجة وتعود الأمور لما كانت علیھ بالضبط .. ووقتھا تأتي لحظة
الحساب ...
ھذه ھي موھبة المصري الحقیقیة عبر القرون .. لا یمكن خداعھ بسھولة .. فإذا تظاھر بأنھ صدق الخدعة فلأن
مصلحتھ تشیر علیھ بذلك .. وھو أذكى من أن یمد یده إلى عشرة الدولارات فیقطع عیشھ للأبد ..أو یتقاضى الثمن
عملة ذھبیة فیقطع (مراد بك) رأسھ .. أو یظھر ذكاءه فلا یضحك مشاھدو البرنامج على (شعبولا) بما یكفي ..

451 فهرنهايت





عندما تصیر النار ھي الحل!
لأسباب واضحة اختار مایكل مور عنوان (فھرنھایت 911 ) لفیلمھ الشھیر الذي یھاجم عصابة بوش بضراوة.. لقد
استطاع بأنفھ الحساس أن یشم رائحة ذلك العالم الشمولي الكابوسي الذي تتحدث عنھ الروایة.. حرارة ما جرى في
9 كانت ھي الدرجة المناسبة لحرق ملكة النقد والتعقل لدى الأمریكیین، ولم یخیب الأمریكیون أملھ .. لقد – 11
شاھدوا الفیلم في حماس .. ثم انتخبوا بوش لفترة ثانیة بالحماس ذاتھ.. !.. إن المواطن الأمریكي یتعامل مع ھذه
الأمور بمنطق عسیر الفھم نوعًا: یبكي لدى مشاھدة فیلم عن فظائع أمریكا في حرب فیتنام ثم یذھب لیتطوع ھناك
في الأسبوع ذاتھ .. لم لا ؟.. ألیس ھو ذات المواطن مستلب الوعي الذي تتحدث عنھ روایة برادبوري فائقة الشھرة
؟
روایة راي برادبوري التي كتبھا عام 1953 - والتي احتفل العالم منذ عامین بمرور خمسین عامًا على صدورھا -
صارت معلمًا لیس في أدب الخیال العلمي فقط، ولا في الأدب السیاسي فحسب، بل إنھا أضافت مفاھیم جدیدة إلى
اللغة الإنجلیزیة ذاتھا .. ولسوف تجد أن الكلام عن السلطة الشمولیة القمعیة وغسل وسائل الإعلام لعقل البشر لا
یكتمل إلا بذكر ( 451 فھرنھایت) و( 1984 ) رائعة أورویل و(عالم جدید شجاع) لھكسلي .. ولیست مصادفة أن
مور قدم مقاطع كاملة من ( 1984 ) في فیلمھ المذكور...
*********
أدركت أن صناعة كاملة للخوف قد ازدھرت في الولایات المتحدة , وان الأخ الأكبر الذي تحدث عنھ جورج أرویل
في رائعتھ 451 فھرنھایت قد اظھر بعضا من ملامحھ .
د. عبدالمنعم سعید – جریدة الأھرام 24 فبرایر 2004
*********
طبعًا ھذا خطأ.. إن ( 451 فھرنھایت) قصة برادبوري بینما أورویل صاحب ( 1984 .. (لكن الخلط بین القصتین
شائع في أذھان الجمیع .. فكلا القصتین جاء من ذات العالم ..
راي برادبوري كاتب الخیال العلمي الأمریكي الملتزم الذي ولد عام 1920 .. والذي اشتھر بمجموعاتھ القصصیة
(الرجل المرسوم) و(شيء شریر من ھذا الطریق یأتي)، ھو كاتب متشائم كأكثر كتاب الخیال العلمي المعاصرین،
الذین لم یعودوا في سذاجة ھ. ج. ویلز الذي أید الحرب العالمیة الأولى باعتبارھا (الحرب التي ستنھي الحروب
جمیعًا)، ثم اتضح أن التقدم لا یلغي الحروب بل یأتي بالحروب المتقدمة !.. یجب ألا ننسى أن الإنسان استعمل
الطاقة الذریة كقنبلة قبل أن یفكر في أي استخدام سلمي لھا .. وبرادبوري یؤمن كآخرین أن سیطرة السلطة الشمولیة
على أنفاس البشر ھي مسألة وقت لا أكثر ..
كثیر من الناس لم یقرءوا الروایة لكنھم بالتأكید شاھدوا الفیلم العمیق الذي قدمھ فرانسوا تریفو عام 1969 .. وفي
كل مرة تدور مناقشات لا تنتھي .. ھذا نوع من الأعمال الأدبیة التي خلقت لتبقى أبدًا ..
یسھل على من یحلل القصة أن یجد علامات تشابھ لا حصر لھا مع الواقع الأمریكي (الجمھوري) المعاش الیوم ..
كما یسھل علیھ أن یدرك أن السیناریو یتحرك طبقًا لخطة واضحة دقیقة .. لكن ماذا عن مصر ؟ ...نفس الشيء
یحدث في مصر، ولكن على الطریقة المصریة الشھیرة .. أي (بالبركة).. لا توجد خطة ما .. لا شيء في مصر یتم
وفق خطة من أي نوع .. ولكنھ نوع من الغریزة الحیوانیة التي علمتنا أن النار ھي الطریقة المثلى للخلاص من
المشاكل .. وأن من یفكر ھو – على الأرجح – عمیل أو شیوعي أو ابن كلب بشكل ما..
إن (مونتاج) – لاحظ الاسم - رجل المطافئ یمارس عملھ بحماس .. سوف نعرف أن رجل المطافئ في ھذا العصر –وھو مستقبل غیر بعید - مھمتھ محددة جدًا : أن یحرق .. یحرق الكتب التي تعامل معاملة المخدرات ..ربما
یحرق مالكیھا كذلك .. ودرجة الحرارة المفضلة للحرق ھي 451 فھرنھایت .. إن ھذا العصر قد استغنى تمامًا عن
الكتب واستبدل بھا ثقافة الصور المرئیة . كل بیت فیھ تلفزیون عملاق لا یغلق تقریبًا .. أربع شاشات على الجدران
وثمة طریقة إلكترونیة تسمح لمعدي البرامج بأن یخاطبوك بشكل شخصي. إن مونتاج جزء من النظام .. أحیانًا ھو
النظام ذاتھ .. إلى أن یُلقى حجر في بركة حیاتھ الراكدة .. ھذا الحجر ھو فتاة رقیقة ما زالت تحاول أن تعیش
بالطریقة القدیمة.. تسأل أسئلة .. تتمھل فلا یأخذھا تیار الحیاة المندفع .. إنھا تقول لھ: "الصبیة في عمري یتسلون
بقتل بعضھم .. لقد أطلقت الشرطة الرصاص على ستة منھم العام الماضي .. ومات عشرة منھم في حوادث
سیارات"..
*********
"وصور إیذاء المؤمنین بالسیارة كثیرة: نذكر منھا ما یلي
1- :التفحیط والتطعیس، وھما عبث بالأرواح والأموال وقد مرّ حكمھما -- المزاح بالسیارة حیث یقوم بعض
الشباب بالمزاح مع من ھو خارج السیارة، فیتوجھ بالسیارة إلیھ، ویزید من السرعة كأنھ یرید أن یدھسھ، فلما یصل
قریبا منھ یضغط على الفرامل! ومثل ھذا المزاح لا یجوز؛ لما فیھ من ترویع المسلم وتخویفھ" .
موقع كلمات - 12 ربیع الأول 1426 ھ
*********
(مونتاج) یعیش مع زوجتھ التي تنتمي لھذا العالم أكثر من اللازم .. زوجتھ التي لا تكف عن متابعة إعلانات
التلفزیون وتنتحر كل لیلة، ثم تصحو في الصباح وقد نسیت ذلك!.. في الفیلم قامت الممثلة جولي كریستي بالدورین
معًا كجزء من الرمز الصعب. ثم تأتي الطامة الكبرى من عجوز صممت ألا یحرقوا كتبھا .. بل فضلت أن تحترق
معھا .. "كل ھؤلاء المخابیل یفضلون الموت مع كتبھم .. ھذا نمط سلوكي معتاد"
ھذه ھي الھزة التي تدفع (مونتاج) دفعًا إلى أن یسرق كتابًا أو كتابین لیعرف سر ھذه الأشیاء الممنوعة التي یفضل
الناس أن یحترقوا معھا .. وتدریجیًا یندمج في ھذا العالم السحري، ویحاول أن یتفادى شكوك رئیسھ الذي یقول لھ:
"في الماضي كانت الحیاة ھادئة تسمح بالاختلاف .. ثم في القرن العشرین تسارعت الحركة .. صارت الكتب أقصر
ثم اقتطعت لتكون مجرد تعلیق في كتاب مختارات .. أدر عقل الإنسان في آلة الطرد المركزي لتتخلصمن كل
الأفكار غیر المجدیة المضیعة للوقت .. انشر المزید من الرسوم الھزلیة في الكتب .. أعط الناس صورًا أكثر ..
الریاضات الجماعیة ممتعة وتغري بعدم التفكیر"..
*********
"مباراة الترسانة مع إنبي انتھت بفوز الترسانة بھدف وترددت الشائعات بأن إنبي ترك المباراة للشواكیش مقابل
انتقال عمرو سماكة لاعب الترسانة لإنبي في الموسم المقبل"
محمد رضا - جریدة الأھالي 13 إبریل 2005
*********
یواصل رئیسھ في المطافئ غسل مخھ: "كلمة مثقف صارت سبة كما یجب لھا أن تكون ..تذكر كیف كنت في
طفولتك تكره الصبي الذكي في الصف، وتختصھ بالضرب والتعذیب بعد الدراسة .. إنھ خوفنا المبرر من أن نكون
أقل من الآخرین .. خذ صراعاتك إلى المحرقة یا (مونتاج).. النار تحل كل شيء .. النار نقیة طاھرة ..ولأسباب
كھذه قمنا بتخفیض سن دخول الحضانة عامًا بعد عام .. حتى أننا الیوم ننتزعھم تقریبًا من المھد إلى الحضانة . أعط
الناس مسابقات یربحون فیھا إذا ما تذكروا أسماء الأغاني الشھیرة أو أسماء عواصم الولایات .. أو كم من القمح
أنتجتھ ولایة (أیوا) العام الماضي !.. أحشھم بالحقائق سریعة الاحتراق حتى یشعروا بأنھم أذكیاء"! ..
*********
"وسقط من الشباب من سقط جرحي خلال تدافع الحلوین لاستقبال البطل العائد وتھشمت بعض السیارات خلال نفس
الاستقبال ! ولكن معلھش كلھا خسائر لاتذكر مقابل الانتصار العظیم الذي تحقق بفضل البطل المغوار محمد عطیة ! !

وكلھ علشان مصر !! وبالفعل استطاع الشباب ان یفرض التغییر ولكن فقط في ھذه المجالات !! وبنفس فلوس ماما
وبابا انھالت ملایین المكالمات التلیفونیة علي القناة الفضائیة"
لبیب السباعي - جریدة الأھرام 26 إبریل 2004
*********
یقول مدیر المطافئ: "التلفزیون یغرقك في بحر من الأصوات والألوان بحیث لا تجد الوقت لتفكر أو لتنتقد .. إنھ
یقدم لك الأفكار جاھزة"..
*********
أحیا نجوم "ستار أكادیمي" حفلتھم على مسرح أرض المعارض في الكویت، ( CNN) -- "مدینة الكویت، الكویت
الخمیس وسط مشاعر الفرح والطرب التي تجلت داخل القاعة، وغضب وامتعاض المتظاھرین من الإسلامیین
الرافضین فكرة الحفل أساسا. فبعد ساعات من انتھاء الحفل، أعلن النائب الإسلامي، ولید الطبطبائي، أنھ سیقدم طلب
استجواب برلماني في حق وزیر الإعلام الكویتي محمد أبو الحسن، الذي أصدر قرار الموافقة على إقامة الحفل".
موقع منوعات 8 - مایو 2004
*********
یقول مدیر المطافئ: "دعني أؤكد لك أن الكتب لا تقول شیئًا .. لو كانت قصصًا فھي تتكلم عن أناس لا وجود لھم ..
لو لم تكن قصصًا فالأمر أسوأ.. أستاذ یعتبر الآخر أبلھ، وفیلسوف یحاول خنق فیلسوف آخر .. كلھم یكافحون
محاولین محو النجوم وإطفاء الشمس .. فقط النار تستطیع أن تطھر كل ھذا"
*********
"كما أكد د. مجد حیدر صاحب دار ورد السوریة، والمشاركة فى المعرض من خلال جناح مؤسسة روزالیوسف أنھ
تم مصادرة خمسة عناوین من مطبوعاتھ: ھى روایة إحدى عشرة دقیقة للروائى البرازیلى باولو كویلیو. وروایتا
الومیض والوعول للأدیب السورى حیدر حیدر، وروایتا لیلة الغلطة والحب الأول الحب الأخیر المترجمتان عن
الفرنسیة للأدیب المغربى الطاھر بن جلون. أما نبیل نوفل مدیر دار الآداب اللبنانیة فأكد مصادرة عناوین من
إصدارات الدار ھى روایة مسك الغزال للروائیة اللبنانیة حنان الشیخ، وھى روایة صادرة من أكثر من ربع قرن
وروایتا خفة الكائن التى لا تحتمل والحیاة ھى فى مكان آخر للأدیب التشیكى میلان كوندیرا المقیم فى باریس،
والمرشح لنیل جائزة نوبل للآداب، وروایة مریم الحكایا للكاتبة اللبنانیة علویة صبح. ھذا بالإضافة لعدد آخر من
الكتب التى صودرت من عدة دور نشر أخرى منھا كتاب الدنیا أجمل من الجنة الصادر عن دار النھار اللبنانیة
للكاتب المصرى خالد البرى. ودیوان أدونیس أول حب أول جسد الصادر عن دار الساقى. كما منعت مؤلفات دكتور
نصر حامد أبو زید من العرض فى دار الطلیعة " .
جریدة العربي الناصري 6 فبرایر 2005
*********
..سرعان ما یصیر (مونتاج) رمز النظام عدوًا لھ .. مطاردًا .. یضطر لحرق زملائھ .. ثم یفر .. یعبر النھر
لتزول رائحتھ عن كلاب الشرطة، وعلى شاشة التلفزیون یرى عملیة إعدام كاملة لرجل آخر یفترض أنھ ھو
(مونتاج).. لقد بحثت السلطات عن أي رجل یمشي وحده في الشارع .. ربما ھو مؤرق أو غریب الأطوار .. كانوا
بحاجة إلى أحمق یمشي في الشارع لینقذوا ماء وجوھھم وھاھو ذا .. لقد تم إعدامھ أمام العدسات من دون أن یظھر
وجھھ لحظة واحدة..
*********
.......................... !!!!!!!!
*********
یندمج مونتاج مع الثوار الذین اعتزلوا المدنیة .. یعیشون وحدھم بعیدًا عن العالم وقد جعلوا مھمتھم ھي الحفاظ على تراث البشریة الأدبي والعلمي .. كل واحد منھم حفظ كتابًا بعینھ حتى صار ھو الكتاب ذاتھ .. رجل ھو التوراه ..
رجل ھو ھاملت .. رجل ھو رحلة الحاج .. ھذه أجمل مشاھد الروایة وھي التي یتذكرھا الناس كلما تحدثوا عنھا ..
تنتھي الروایة وقد نشبت الحرب النوویة وأبیدت عاصمتھم فلم یبق من أمل لدى البشر الباقین إلا أن یحاولوا استعادة
ما اختزنوه في صدورھم من تراث..
انتھت الروایة الرائعة التي ھي أقرب إلى نبوءة تحققت فعلاً .. تحققت عندھم بسبب الشھوة إلى السیطرة على
العقول .. وتحققت عندنا بسبب ذلك الخوف الحیواني الغریزي من التفكیر .. ذات الخوف الذي جعل الخدیوي عباس
الأول یعید البعثات العلمیة إلى مصر - وكان علي مبارك ضمن أفرادھا - لأن (الأمة الجاھلة أسھل في حكمھا من
الأمة المتعلمة).. وھي غریزة یبدو أننا لن نتخلى عنھا بسھولة..

طب المصاطب





في عموده (الفھامة) بجریدة أخبار الیوم بتاریخ 13 نوفمبر 2004 ، قرأت بكثیر من الدھشة ما نشره الأستاذ أحمد
رجب على لسان الدكتور عمران البشلاوي الذي وصفھ الخبر بأنھ (صاحب نظریة المناعة العربیة).. یعلم الله ما
ھي. وقد أعدت قراءة الخبر عدة مرات للتأكد من أنني لا أحلم. فبعد اكتشاف فیروس التھاب الكبد سي بنحو خمسة
عشر عامًا ومعرفة كل شيء عن تركیبھ الجزیئي، وبعد ما عقد ألف مؤتمر – بلا مبالغة - تناقش كل شاردة وواردة
عن الفیروس وابتكار لقاح لھ وأفضل طرق علاجھ، وبعد ما كرس علماء مصریون أجلاء بینھم أسماء لیست أقل
من عبد الرحمن الزیادي ویاسین عبد الغفار وسمیر قابیل حیاتھم من أجلھ، یلقي علینا الدكتور عمران بقنبلتھ
المدویة: لا یوجد فیروس سي بل ھي مؤامرة أمریكیة قذرة. المشكلة أن ھذا الكلام یأتي في أھم موضع تقع علیھ
عین القارئ في الصحافة المصریة، وبلسان من یحمل الدكتوراه كما قال المقال ..!
تذكرت طبیبًا آخر أفردت لھ جریدة الشعب صفحة كاملة منذ أعوام لیلقي بقنبلتھ: لا یوجد مرض إیدز ... أمریكا ھي
التي اخترعت ھذا الوھم لتساعد على نشر الشذوذ الجنسي ..! وتأمل معي المنطق المختل برغم أننا نزعم أننا العرب
سادة المنطق: أمریكا ترید ترویج الشذوذ الجنسي لھذا لفقت مرضًا وأعلنت أنھ ینتقل بالشذوذ الجنسي !.. قبل ھذا
بأعوام زعم أستاذ جراحة شھیر أنھ ذھب إلى كینشاسا شھرین فقط اكتشف خلالھما علاج الإیدز ثم عاد !.. في تلك
الفترة تبناه كتاب كثیرون، وھاجموا عمید كلیة الطب والكاتب الراحل یوسف إدریس لأنھما جرؤا على التشكك في
صحة ھذا الكلام.. بعد أعوام رأینا صورة ھذا الطبیب في الصحف العالمیة الفرنسیة، لیس لتمجیده ولكن كنموذج
لأدعیاء الطب في العالم الثالث، وقد كتب الأستاذ إبراھیم سعدة مقالاً كاملاً عن ھذه الفضیحة!
المشكلة أن من یشكك الیوم في الفیروس سي ھو كمن یشكك في وجود الأفیال ..! تخیل أن یأتي الیوم من یقول:
الأفیال لا وجود لھا یا جماعة بل ھي خدعة قذرة ابتكرتھا حدائق الحیوان !.. بالضبط نفس وزن الفضیحة والخبال
والإصرار على الخطأ .. وھذا الطراز من المقولات لا یجد طریقھ أبدًا إلى المجلات الطبیة ، ولكن یجد طریقھ إلى
الصحافة غیر المتخصصة لأسباب واضحة، لكني ألقي باللوم كلھ على ھذا الطراز مما یطلقون علیھ (طب
المصاطب) حیث لا تجریب ولا توثیق ولا دراسات إحصائیة ولا شيء .. مجرد كلام یلقى على عواھنھ من عقول
أغشتھا أبخرة نظریات المؤامرة، والرغبة في الشھرة بأي شكل.
وبرغم ھذا تظل غریزة الشك ھذه بئرًا یضخ المال لجھات عدة .. ونحن نعرف كم من ملیارات حققتھا الشركات من
الترویج لمنتجاتھا التي تعید تعبئة حبة البركة والثوم (ولماذا لا یستعملھما المرضى مباشرة دون تعبئة؟) كبدیل عن
الطب المجرب الموثق علمیًا، مع إضفاء ھالة شبھ دینیة على الأمر تھدد باتھامك بالكفر لو اعترضت.. وفي النھایة
یعترف المرضى في خجل وبصوت خافت بأنھم لم یحققوا ذرة شفاء .ربما كان الثوم رائعًا .. بالفعل ھو كذلك ..
ولكن الأمور لیست لعبة .. لابد من مرور الدواء بمراحل شاقة (أربعة أطوار) قبل أن یقال إنھ فعال. لكن الوضع
الحالي ھو أن كل من یسكن في بیت ریفي لدیھ في أرضھ نبتة سحریة لا یعرف اسمھا ولا خواصھا .. لكنھ مؤمن
بأنھا تشفي القلب أو السكري أو السرطان لو قام بغلیھا وشرب النقیع مرتین یومیًا. إن قصص استخدام الحمام لعلاج
الفیروس سي لیست ببعیدة ولم تحدث على كوكب آخر. وفي بعض الوصفات الطبیة الشائعة تجد طریقة فعالة لعلاج
العقم عند الرجال عن طریق تجفیف ذكر الذئب، وابتلاع مقدار حبة منھ یومیًا !.. ھل ھذا طب ؟.. إنھا من وصفات
الأطباء السحرة البدائیین، وعلاج الجزء بجزء مثلھ أسلوب معروف في ممارسات السحر منذ القدم .. لكن ھناك من
لا یقبلون عن ھذا الكلام بدیلاً..
المشكلة ھي في عقلنا الذي یؤمن إیمانًا مطلقًا بالشائعات ویرحب أشد الترحیب بالخرافة، ویؤمن بأسلوب نقل الكلام
شفاھة بدلاً من التجریب المحكم الشاق. قد تكون ھذه طریقة جیدة في دراسة معلقات الشعر الجاھلي، لكنھا لا تصلح
أبدًا لابتكار علاج جدید .. لم تتقدم أوروبا علمیًا وتصل إلى ما وصلت إلیھ إلا عن طریق كانط ودیكارت وفولتیر
الذین علموا العقل الغربي كیف یفكر وكیف یقیس. والنتیجة واضحة الآن .. بوسع أي جندي أمریكي أن یجلس مسترخیًا أمام جھاز وفي یده علبة الكولا .. وربما یصغي لموسیقا الروك كذلك.. یضغط زرًا فتزول مدینة عربیة
عن الخارطة بكل من فیھا من عباقرة یصرون على غلي أوراق النبق لعلاج السكر بدلاً من ابتلاع قرصین من
(الجلیبكلازید) ...
الخلاصة أنني أدعو الله أن یكون الأستاذ أحمد رجب لم ینقل ما قیل بدقة لأنھ غیر متخصص، وإلا فنحن في كارثة
علمیة حقیقیة.

روش طحن




منذ البدایة لا أنكر أنني وقعت في غرام كتیب صغیر كتبھ الصحفي الشاب یاسر حمایة ، ووجدت فیھ حلاً لا بأس بھ
لتفسیر الكثیر من التعبیرات التي استغلقت على فھمي من تعبیرات شباب الیوم. صحیح أنھ كتیب مليء بالأخطاء
المطبعیة، وصحیح أنھ یحتاج إلى إعادة تبویب تجعلھ أقرب إلى القوامیس منھ إلى الدعابة. لكن ھذا لاینسینا حقیقة
أن أول من حاول رصد الظاھرة ھو واحد من داخلھا ولیس من الأكادیمیین ذوي الیاقات العالیة خارجھا .
ذات مرة كنت جالسًا في القطار أصغي لشاب یكلم صاحبھ، فلو كانت المحادثة باللغة السنسكریتیة لفھمت أكثر. لا
أنكر أن أكثر ھذه التعبیرات یمكن فھمھ من سیاق الكلام وتعبیرات الوجھ، لكن بعضھا عسیر فعلاً.
كل لغة تتطور مع الوقت، وأیة مقارنة بین لغة (المنفلوطي) ولغة (صنع الله إبراھیم) تریك الفارق الھائل.. قارن بین
لغة (شكسبیر) ولغة (جون جریشام) مثلاً ..وحتى القوامیس الإنجلیزیة الرصینة صارت تحوي قدراً لا بأس بھ من
العامیة وربما الشتائم. أذكر المعركة الأدبیة الناریة بین (العقاد) و(میخائیل نعیمة) حول لفظة) تحمم) التي قال الأول
إنھ لا وجود لھا في اللغة العربیة، بینما أصر (میخائیل نعیمة) على أنھا لفظة مفھومة لأي شخص، فلماذا نسمح
لشاعر من البادیة  والكلام ل) نعیمة)  أن یخترع لفظة لا وجود لھا، مثلما اخترع (امرؤ القیس) لفظة (تتفل) لأنھا
تناسب القافیة والوزن وأعلن أن معناھا (ثعلب) من الآن فصاعداً، بینما نمنع شاعراً آخر من ابتكار لفظة مثل
(تحمم) ؟
حتى على مستوى المحادثة، یسھل أن تجد فارقًا شاسعًا بین لغة أفلام الماضي وأفلام الیوم .. لم یعد أحد یحیي الآخر
ب (سعیدة مبارك) أو یصف الجو بأنھ (طقس في غایة البداعة).. ھذه لغة تناسب الماضي الجمیل حینما كان شوقي
بك یذھب مع حبیبتھ إلى النیل لیركبا فلوكة و "تعال من فضلك خدنا"..وكان المراكبي مھذبًا یرد بصوت ملائكي:
"دي ستنا وإنت سیدنا" ؛ فلم یطلب سعرًا فلكیًا ولم یخرج مطواة قرن غزال ویغتصب الفتاة أمام شوقي بك .
تتنازعني ھنا كراھیتي  التي لا حیلة لي فیھا  لھذه اللغة الجدیدة التي یدور 80 % منھا حول معنى الاستھتار وعدم
الاكتراث وأن الأمر لا یستحق. لغة فیھا تحد غریب وقدر لا بأس بھ من الوقاحة، فأنا ما زلت مصراً على أن لفظة
(بیئة) ھي لفظة (بیئة) فعلاً. وماذا عن لفظ (موزّة) التي تعني (فتاة جمیلة) ؟.. ھناك قدر من الوقاحة والاستھتار
بالأنثى كأنھا شيء یؤكل لا أكثر، والغریب أن الفتیات یقبلن ھذه اللفظة باعتبارھا (مجاملة رقیقة). یتنازعني ھذا
المقت مع إیماني بأن على جیلي ألا یفرض تحفظاتھ على الجیل الجدید .. لقد حورب (سید درویش) عند ظھوره
باعتباره (شاباً لا یحترم أساطین الغناء)، وحورب (عبد الحلیم حافظ).. والیوم یُحارب المطربون الشباب لأنھم لیسوا
)عبد الحلیم حافظ).. كان آباؤنا یزغرون لنا حین نستعمل لفظ (سكّة)  بفتح السین  بمعنى (الشيء التافھ)، والیوم لا
یفھم الأب ما یقولھ أولاده حتى یوبخھم علیھ.. ھذه ھي القصة دائماً إلى یوم الدین. الشباب یبدو غریباً جامحاً بالنسبة
للكھول، والكھول یبدون ماموثات متحجرة عاجزة عن التغیر بالنسبة للشباب، و(أحمد عدویة) صار تراثاً كلاسیاً
راقیاً بالنسبة إلى (شعبولا.(
أعتقد أن النقلة الأولى الكبرى في لغة الشباب المصري كانت في السبعینات مع مسرحیة (مدرسة المشاغبین) التي
ولدت مصطلحات جدیدة، بل وطریقة جدیدة تماماً في المزاح. قبلھا كان الناس یضحكون من أسماء مثل
)السناكحلي) ومن كومیدیا الموقف مولییریة الطابع ومن سلاح التكرار الذي تكلم عنھ) برجسون) كثیرًا .. التكرار
.. التكرار .. وحتى یصفق المشاھدون فتلتھب أكفھم. جاءت) مدرسة المشاغبین) بأسلوب خاص جدًا من الدعابة؛
ولمدة عشرین عامًا ظل طلبة المدارس یكررون دعاباتھا التي لا تخلو من وقاحة واستھتار. النقلة الثانیة ھي في
التسعینات ...
ھنا یتعرض شبابنا لضغط یفوق بمراحل سُنة التغییر التي تكلمنا عنھا.. الظروف القاسیة التي یواجھونھا، وعلامات
الاستفھام التي تملأ المستقبل، ولدت فیھم تحدیاً قد یتجاوز ما ھو مطلوب أو صحي. إن لغتھم قد اتسعت لتحتوي
عوالم المیكروباص والكمبیوتر ومترو الأنفاق والإنترنت..المعلومات كثیرة جدًا .. الوجوه كثیرة جدًا ...لا سبیل لاستیعاب ھذا كلھ إلا بالسطحیة والمزید من السطحیة .. كل
شيء یجب أن یتم بسرعة وبلا تعمق .. وھذا یظھر بوضوح في اللغة قبل أي شيء آخر.
لقد تنبأ أندي وارھول – الفنان المجنون غریب الأطوار - بأنھ في عام 2000 ستكون فرصة كل إنسان للشھرة ربع
ساعة لا أكثر ..یمكن أن نقول إن نبوءتھ تحققت ..ویمكن أن نضیف إلى الشھرة أن كل معلومة .. كل رأي .. كل
انفعال .. فرصتھ في البقاء لیختمر ربع ساعة لا أكثر..
أتذكر الموقف الطریف الذي حكاه د. (جلال أمین) عندما كان في الولایات المتحدة وضل طریقھ بسیارتھ .. كانت
ھناك لافتات كثیرة جدًا تدل على كل شيء وھذه اللافتات جعلت الأمور تختلط علیھ .. وھنا خطرت لھ فكرة غریبة:
إنھ كان بحاجة بالضبط إلى كم أقل من المعلومات كي یتخذ قراره !.. ھذه عبارة جریئة جدًا لا یجسر على قولھا إلا
من ھو في وزن (جلال أمین).. بالفعل كم المعلومات المتدفقة على الشاب عبر الفضائیات والإنترنت وآلاف
الصحف یجعلھ في حیرة حقیقیة .. لا وقت لتكوین رأي أو استیعاب أي شيء .. في الماضي كان ھناك فیلم أجنبي
واحد یعرض أسبوعیًا في برنامج نادي السینما، وكنا نرتب یومنا كلھ من أجل ساعة العرض ھذه، ونلتھم عشاءنا
أمام الشاشة .. ثم یعرض الفیلم فتستوعب كل حرف منھ .. یتسرب إلى كل خلیة من خلایاك .. أما الیوم فمن النادر
أن تستكمل الفیلم إلى منتصفھ قبل أن تقلب القناة بحثًا عن متعة أسھل..
ھناك موضة جدیدة أطلق علیھا اسم (الروشنة الدینیة) ھي أغان دینیة ملحنة بإیقاع عصري.. وترى الفیدیو كلیب في
التلفزیون، فترى مجموعة من الشباب المتأنق أناقة الحراسات الخاصة یقف متخشبًا كأنھ یحرس موكب (إبراھیم
بیھ)، وھو یردد أسماء الله الحسنى .. سرعان ما تدرك أنھ لم یتسرب إلى أرواحھم مما یقولون إلا النغمات .. فقط
یحركون شفاھھم .. ھذه أغان تم تصمیمھا ببراعة لسد حاجة الأفراح وذلك النشاط المصري الولید: حفلات افتتاح
المحلات الجدیدة .. في مرة أخرى راقبت شابًا یرقص في میوعة وانتشاء على أغنیة شعبان عبد الرحیم فائقة
الشھرة (أنا بأكره إسرائیل)، فساءلت نفسي: ھل یعي أیة كلمة من الكلمات التي یرقص على لحنھا ؟.. ھل یفھم ؟..
ھل یھمھ أن یكره إسرائیل أو یھیم بھا حبًا ؟
إنھا السطحیة في كل شيء..
إن لغة (الروشنة طحن) تعبر عن ھذا كلھ .. وسوف تجد من یرصدھا بشكل أكادیمي یومًا ما، أما في المرحلة
الحالیة فإنني أشكر ذلك الشاب المتحمس الذي قرر جمعھا في كتیب حتى لا تضیع. وذلك تحسبًا للیوم الذي یتكلم فیھ
أبناؤه فلا یفھم حرفًا مما یقولون. یومھا تبدو عبارة مثل (كلھ في الأمبلایظ) عتیقة لھا ذات رنین (طقس في غایة
البداعة) في مسامعنا...!

القطرات الاخیرة




كأن الأمر كذلك: عندما قامت ثورة 1919 امتدت ید الزمن العملاقة تعتصر ضرع مصر الحلوب، ولسنوات عدیدة
سالت منھ بسخاء قطرات مثل العقاد وطھ حسین ونجیب محفوظ – الطبیب والأدیب كلیھما – وسید درویش وأم
كلثوم وعبد الوھاب .. الخ .. الزمن یمضي وقد مر نحو القرن، وھاھي ذي القطرات الأخیرة تتدفق من الضرع قبل
أن یجف: ھیكل .. صلاح جاھین .. بیكار ..جلال أمین ... لا ندري كم من الوقت یجب أن یمضي قبل أن یمتلأ
الضرع بالخیر ثانیة، لكني أعرف جیدًا أن إسماعیل دیاب كان بین تلك القطرات الأخیرة..
وصوت إحدى سیمفونیات بیتھوفن ینبعث من جھاز الھاي فاي – من بین أشیاء نادرة امتلكھا في حیاتھ – وأمامھ
فنجان القھوة، كانت تعن لھ فكرة ساخرة فیضحك، ویمتزج الضحك بشخشخة السعال في صدره الذي أرھقھ التدخین
.. ھناك في تلك الشقة الصغیرة – التي لا یملكھا - في میدان الجیش كان یغمس فرشاتھ باللون وبضربات محكمة
خبیر یولد على الورق غلاف جدید .. غلاف تشم فیھ رائحة روایة لتولستوي أو دستویفسكي أو بلزاك .. وبشكل ما
كنت أشعر أنھ ینتمي لذلك العالم وانھ كان صدیقًا شخصیًا لجوركي ودیكنز وموباسان .. كان یتذوق الأدب كأفضل
نقاده وكانت ثقافتھ موسوعیة..
أرمق الصورة المعلقة على الجدار خلفھ وأتساءل عن معناھا .. صورة زیتیة لرجل ملقى على الأرض محطمًا منھكًا
.. یمد یده إلى إناء فارغ مقلوب أمامھ .. ما معنى ذلك ؟
اسمھ إسماعیل دیاب .. كان یعرف الكثیر لكنھ لم یتصور قط أن رسومھ محفورة في جیلین على الأقل ممن لم
یقرءوا الأدب إلا مرسومًا بریشتھ الساحرة شبھ التأثیریة .. منذ كانوا أطفالاً یقرءون قصص دندش وباسل في مجلة
سمیر حتى عرفوا أن ھناك من یدعى جي دي موباسان وبلزاك...
كنت تلمح في وجھھ الطیب المجعد الذي رأى كل شيء، وشعره الأشیب تلك السمات التي لا تخطئھا العین .. سمات
الناسك الذي یردد: "فلتزأر العاصفة" ویرمق الحیاة في ترفع باسم.. تلك النظرة التي رأیتھا من قبل في عیني نجیب
محفوظ وغاندي وماركیز وتشیكوف وماندیلا.. یشعل لفافة تبغ أخرى ویقول في فخر: "أنا لا أملك أي شيء وأحمد
الله على ھذا"..
اسمھ إسماعیل دیاب .. لم یكن یتكلم كثیرًا عن نفسھ .. وبصعوبة بالغة تعرف أنھ ابن الإسماعیلیة .. تخرج في كلیة
الفنون الجمیلة عام 1962 .. ھذه الدفعة ضمت أسماء لیست أقل من اللباد وجمیل شفیق وعبد الغفار شدید ..
كانت تجاعید وجھھ خارطة مفصلة لتاریخ الصحافة المصریة بعد الثورة .. لقد عمل في أخبار الیوم وروز الیوسف
ودار الھلال (مجلة سمیر) ودار المعارف والأھرام والھیئة العامة للكتاب .. وكان في حیاتھ سر أكثر جمالاً ھو أنھ
شقیق الأدیب محمود دیاب .. لم أعرف ھذا إلا عندما أخبرني بھ .. محمود دیاب .. الكاتب الثائر الذي تنبأ
بالتحولات المرعبة التي توشك أن تعید الاستعمار الخفي إلى مصر .. مسرحیة دنیا بیانولا .. مسرحیة تتنبأ بالخراب
الذي یقودنا إلیھ الانفتاح، وللمرة الأولى نرى تیمة العائد من الخارج لیھدم بیت الأسرة القدیم وھي تیمة استعملھا
الجمیع فیما بعد .. یوسف السباعي كان ضمن الموجودین في العرض الأول وقد كان رحمھ الله من قادة كتیبة
الانقلاب ضد مثقفي الستینات، وقد أدرك بفطنتھ الإشارات التي یرسلھا ھذا العرض .. وقد ظل یشاھد الأحداث
متذمرًا ثم انفجر فجأة واصفًا المسرحیة بأنھا كلام فارغ وتھریج .. ھنا انفجر فیھ محمود دیاب بدوره .. وكانت ھذه
نھایة المسرحیة ..وبعد أیام احترق المسرح كأن الأقدار تأبى إلا أن تشارك في ھذه اللعبة العبثیة ..
محمود دیاب یدرك حقیقة أن الزمن لم یعد زمنھ وأن قواعد جدیدة توضع للعبة، وھو ذا یعتزل العالم في شقتھ
الواقعة خلف مستشفى ھلیوبولیس .. یرقب الناس من الشرفة مشمئزًا مندھشًا من قدرتھم على الحیاة وسط ھذا
10 یموت محمود دیاب غریبًا محبطًا كما مات من قبلھ ومن بعده جمال حمدان ورجائي /10/ الزیف .. یوم 1983
علیش ونجیب سرور وآخرون لن یتوقفوا عن الدھشة فالحزن فالانكسار فالموت ..
الآن یخیل إلي أنني أفھم الصورة الزیتیة المعلقة على الجدار وراء الفنان ..اسمھ إسماعیل دیاب .. وكانت ذكرى أخیھ من اللحظات النادرة التي یتكلم فیھا عن نفسھ كثیرًا وبلا توقف ..یتكلم
عن أولاد أخیھ ھشام وھالة وھبة .. أذكر یوم جلبت لھ مقالاً طویلاً نشر في مجلة وجھات نظر عن محمود دیاب،
ورأیت الفرحة الطفولیة تغزو وجھھ ..كان یحتفظ بكل ما كتب أخوه ولا اعتقد أنني كنت واجدًا أیة نسخة من الظلال
في الجانب الآخر إلا تلك التي أقرضني إیاھا .. دعك من الھرمیتات الصوفیة التي كان یطالعھا أكثر من مرة
أسبوعیًا والتي أثرت حنقھ عندما اعترفت بأنني لم أفھمھا أو فھمتھا ولم أفھم المراد بھا..
لم أكن أعرف أن لھ ابنًا في العقد الرابع من العمر.. (وائل) مصمم جرافیك في الأھرام.. وابنة ھي (جیھان)..
موظفة في الثقافة الجماھیریة .. كان یقول لابنھ: "یا بني أنا عمري ما كنت معاك أب .. أنا صاحبك وأخوك.".
تلقى الكثیر من عقود العمل بالخلیج، لكنھ لم یسمح لنفسھ بالسفر خارج مصر إلا للسیاحة .. من على شاكلتھ جمیعًا
لا یعرفون لأنفسھم عملاً ولا بیتًا ولا قبرًا خارج مصر .. سافر لأمریكا عام 1978 وقضى ثمانیة أشھر یدرس
تصمیم المناھج الدراسیة .. قضى في الریاض یومین لا أكثر .. ثم عاد .. دائمًا یعود .. لم یقم أي معرض خاص قط
.. معرضھ الدائم كان على أغلفة الكتب .. مرسمھ الصغیر في المسافرخانة بالحسین احترق عام 1997 ومن وقتھا
استقر في شقتھ الصغیرة بمیدان الجیش .. یعمل في تصمیم روایات مصریة للجیب الموجھة للشباب ویبدي رضاه
عن ھذا العمل .. رسومھ تحفر نفسھا بقوة في تعاریج مخ جیل كامل.. لا یتحدث عن أجره فھو یقبل أي مبلغ یكفیھ
لیحیا .. بینما دور النشر الأخرى جمیعًا تتصارع من اجل الاستئثار بھ .. فلتزأر العاصفة .. فلتزأر العاصفة..
الآن یتكلم عن اللوحة المعلقة على الجدار .. لقد رسمھا یوم 6 یونیو عام 1967 عندما عرف الحقیقة .. إنھ ذات
الشرخ الذي تجده في نفسیة كل مثقفي الستینات ..یسھل أن تعرف ما شعر بھ في تلك اللحظات القاسیة..
كان في عالم الرسم یعشق التأثیریین .. یعشق جوجان ورینوار ودیجا .. لكنھ كان یحمل حبًا خاصًا لرمبرانت .. ھذا
الجو المظلم الذي یخترقھ الضوء الذھبي القادم من الیسار .. ھذا الزیغ كان یروق لھ، خاصة عندما عرف أن
رمبرانت كان واھن البصر في أیامھ الأخیرة .. في الوقت ذاتھ كانت عدسة عینھ تزداد إعتامًا واستطاع ان یرى
العالم كما رآه رمبرانت .. وأن یفھمھ..
بالنسبة للمصریین كان یعشق بیكار ومحمود سعید .. صدیق عمره محمد قندیل الذي تزوج ابنھ – ابن إسماعیل
دیاب - ابنتھ .. زھران سلامة .. اللباد .. جمیل شفیق .. رمزي مصطفى ..
اسمھ إسماعیل دیاب .. وعندما توفي في صمت وسلام في ذلك الأسبوع الصاخب الحزین، كان العالم یتحدث عن
وفاة رفیق الحریري وثابت البطل .. لكن الشباب الذي عشق أعمالھ – الآلاف منھم - أقام لھ حفل تأبین لا یوصف
على شبكة الإنترنت وفي منتدیاتھا .. طلاب مدارس إعدادیة .. طلاب جامعة .. خبراء كمبیوتر .. خبراء علم وراثة
.. أطباء .. مھندسون .. معلمون .. محاسبون .. كلھم بكوه بحرقة دون أن یطلب منھم أحد شیئًا، وولد اقتراح بعمل
معرض دائم على الإنترنت لھ، كما اقترح البعض أن تصدر القصص التالیة بغلاف أسود لأنھم لا یقبلون أن یروا
رسامًا آخر على الأغلفة .. والعالم یتحرك ولا یشعر بكل ھذه الشموع الموقدة في ذكراه وسط ظلام شبكة الإنترنت
.. ولو شعروا بھا لأصابھم الذھول..
اسمھ إسماعیل دیاب .. أبي ومعلمي.. وقطرة أخیرة من ذلك الزمن الجمیل الذي ضاع .. كان فنك أجمل من حیاتك
.. وكانت حیاتك أجمل من فنك .. فشكرًا على كل شيء.

حسد





الیوم أعترف بالحقیقة التي أخفیتھا عن الناس منذ الطفولة..
أنا أحسد بقوة..
أحسد طفلاً سوف یحقق كل الأشیاء التي فشلت أنا في تحقیقھا
(الشاعر الروسي إیفتوشنكو)
??????
یجب أن أعترف بھذه الحقیقة .. لقد نجح ھؤلاء القوم في تحقیق ما عجزت عنھ أنا .. ربما أداري الحقیقة بالكثیر من
التعالي .. التحذلق .. ترفع الطبقة الوسطى، لكني أدرك یقینًا أنني فشلت في فھم قواعد اللعبة منذ البدایة وھي ذي
النتیجة واضحة جلیة، وھي أن الزمن لیس زمني ولا البلد بلدي .
لقد رأیتھم قادمین .. كنت في المدرسة الثانویة بینما السادات یضع المتفجرات تحت الصرح الذي شیده عبد الناصر
طیلة عقدین من الزمن، ولم أعلق أھمیة كبرى على ھذا .. عرفتھم بوجوھھم السوقیة الشھوانیة .. عرفتھم بأصواتھم
الجھیرة .. وكما قال الناقد السینمائي الراحل سامي السلاموني: "تعرفھم من كروشھم وفتحة صدر الطرزانات
وصفاقة من شبع بعد جوع .. منھم الطبیب والمحامي والمھندس والعامل، لكنھم صاروا طبقة واحدة لھا شكل واحد
وطموحات واحدة، وربما تستمع لنفس المطرب..".. كتب ھذه الكلمات یوم قام احدھم بنشاط محبب لھم ألا وھو
غرس سكین الفاكھة – حتى المقبض - في بطن ابن شقیقة عبد الناصر .. فقط عین السلاموني الحساسة استطاعت
التقاط الرمز وراء ھذا المشھد..
كنت أجلس في غرفتي أطالع الطیب صالح وكافكا وطھ حسین، وأعلق رسوم محمود سعید ورینوار، بینما كان
ھؤلاء یزحفون كالقمل في كل مكان .. ثمة نشاط بشري غریب ھو أن تذھب لبور سعید وتلف القماش على خصرك
وتضع عشرین ساعة حول ساعدیك كي تتجنب الجمرك.. نشاط آخر غریب اسمھ المتاجرة بالدولار في السوق
السوداء .. ھذا النشاط یقومون بھ جمیعًا لكني - وكل أمثالي – عاجزون عنھ .. ربما لأنني أترفع عنھ .. ربما لأنني
أخشاه .. ربما لأنني لم أفھم قواعد اللعبة بعد .. ربما لأنني (مش وش بھدلة) وبلغة أدق: كان لدي ما أخسره .. ھم لم
یكن لدیھم ما یخسرون .. ھذه ھي عقد الطبقة الوسطى التي تكبلك إلى الأرض ..
إنھم یمارسون الاختلاس والرشوة والمحسوبیة على نطاق واسع .. ثم أنھم لا یخجلون .. ینشئ السادات حزب مصر
فینضمون جمیعًا لھ ویكتب احدھم على طریقة فكتور ھوجو: لو كان أعضاء حزب مصر خمسة فأنا منھم .. ولو
كانوا واحدًا فأنا ذلك الواحد..
ثم یترك السادات حزب مصر لینشئ الحزب الوطني الدیمقراطي عندھا – في الیوم ذاتھ - لا یبقى بین جدران حزب
مصر واحد من ھؤلاء .. مشكلتي أنني بطيء التفكیر أكثر من اللازم .. أرى ھذا الموقف فأقضي عشر سنوات
أحاول استیعابھ .. بینما ھم جمیعًا فھموھا (وھي طایرة).. لقد انتھوا من استخراج الدھن من الزلط ودھن الھواء
بالدوكو ، بینما أنا ابن الطبقة الوسطى ما زلت أعتقد أن المستقبل لي أنا .. رأسي مقبرة أثریة تضم رفات ناصر
وجیفارا ولومومبا حیث أحرق البخور وأتكلم عن بطولة سنموت حنا مع النحاس، وأحفظ كل حرف قالھ كاسترو
لناصر عندما التقیا في القاھرة ..
إنھم یتاجرون في الأراضي .. إنھم یحصلون على تصاریح البناء غیر القانونیة . إنھم یقوون علاقاتھم بكبار رجال
الشرطة .. بینما یستطیع أصغر شرطي مرور أن یجعل الدم یتجمد في عروقي .. ثم یقررون أن یتدینوا فجأة،
وتظھر زبیبة صلاة عملاقة لكل منھم، ویلبسون الجلابیب البیض، ویسافرون للعمرة عدة مرات في كل عام
وینشئون الشركات التي تبیع حبة البركة والعسل الأبیض، ویدیرون المدارس التي تحمل في نھایة اسمھا لفظة
(الإسلامیة).. ویعودون لیتھموا بطیئي الفكر بالتسیب الدیني، ولا بأس من غرس سكین في عنق نجیب محفوظ فھذه
كما قلت من ھوایاتھم المحببة، والرجل ھو الآخر لم یفھم قواعد اللعبة برغم ذكائھ الشدید..

وتتأمل سلوكھم فتجد أنھم یمارسون ثلاثیة المنافق حرفیًا: یحدثون فیكذبون .. ویعدون فیخلفون .. ویؤتمنون
فیخونون.. لكنھم جھیرو الصوت قادرون على الصراخ في أي وقت لیخرسوك ..
ثم یكتشفون فجأة أن مصر تضم مسلمین ومسیحیین ویقررون أن ھذا خطأ وأن ھذا سبب مشاكلنا الاقتصادیة التي
یعاقبنا بھا الله.. دعك من أنھم اكتشفوا فجأة أن ھناك صعایدة في الجنوب وأن ھذا شيء ظریف جدًا.. وتبدأ نكات
الصعایدة التي یطلقھا الحشاشون في ملاھي شارع الھرم لتشق مصر إلى نصفین ..
إنھم یسودون المقالات في الصحف تبرر كل ما تفعلھ الحكومة مھما كان خطأ أو جائرًا .. إنھم یھتفون : بالروح
بالدم نفدیك یا سادات.. ویوم اغتیل السادات لم یكن أحدھم مستعدًا لتبدیل جلستھ المریحة لینقذه .. وعند المساء كانوا
قد نسوا كل شيء عن السادات وراحوا یرتبون أوراقھم للعھد الجدید .. فإذا جرؤت على انتقادھم صرخوا بأعلى
صوتھم أنك من (حزب أعداء النجاح)..
إنھم لا یملكون ذرة ثقافة لكنھم یعتنقون شعار روكفلر: حسابي في المصرف دلیل على أن الله راض عما أفعلھ ..
وھم یؤمنون – كخلاصة الفلسفة البراجماتیة الأمریكیة - بأن الفقیر مسئول عن فقره بشكل ما .. ربما لأنھ أغبى من
اللازم .. أبطأ من اللازم .. أجبن من اللازم .. والمشكلة أنني بدأت أعتقد ھذا..
تاجروا في الحشیش والبرشام والبودرة والیوم یزرعون البانجو ویدخنونھ لأنھم أدرى الناس بأن (دماغھم متكلفة)
وھم حریصون على حفظ التوازن الكیمیائي لآلة صنع المال ھذه .. إنھم یأخذون القروض ویفرون لكن – وھذا لغز
–تظل البلد بلدھم، بینما أنت الباقي فیھا والذي سیدفن – مفروسًا - في ترابھا تشعر بشكل ما أنك مجرد ضیف عابر
..
??????
نعم .. في لحظات كفاحي المرھقة كي لا أنزلق إلى طبقة أقل أقول لنفسي إنني فشلت .. كان الزمن یتغیر وفشلت أنا
في فھم ذلك، بینما ھم فھموا منذ البدایة .. لقد امتلكت بعض الثقافة السطحیة لكني افتقرت تمامًا لذلك النوع الخاص
من الذكاء الذي یطلقون علیھ (نصاحة) .. ربما لو لم یكن لدي ما أخسره .. ربما لو فھمت أسرع من ھذا ..
لكني لن ألقى باللوم على أحد سواي .. لا توجد بدایات متأخرة للعبة ولیس بوسعك أن تتعلمھا في سن الأربعین كما
أنھا لا تُدرس في المدارس .. ولھذا فشلت كل محاولة لي في دھن الھواء بالدوكو أو خرم التعریفة أو اعتصار الدھن
من الزلط ... ولھذا أقولھا بكل صدق: أنا أحسد ھؤلاء القوم .. فقد امتلكوا الأرض وما علیھا .... وربما یمتلكون
المستقبل كذلك وإن كنت أدعو الله أن یتعلم ابني فن دھان الھواء قبل أن یحدث ھذا.

MCQ



بما أننا في عصر العولمة التي ھي – بمعنى آخر – الأمركة، فقد رأیت أن أقدم للقارئ ھذا الامتحان السیاسي على
حاول أن تجیب عن أكبر عدد في أقصر وقت، وحاول MCQ. الطریقة الأمریكیة؛ أي الأسئلة متعددة الاختیارات
ألا تختلس النظر إلى الإجابات الموجودة في نھایة المقال:
أ- ابن لادن حفظھ الله:
-1 عمیل مخابرات أمریكیة ما زال یتصل بھا منذ أیام الجھاد في أفغانستان.
-2 ھو النموذج العصري الإسلامي لجیفارا. وقد أوجع الولایات المتحدة بأكبر ضربة في تاریخھا.
-3 مجرد أحمق یھوى الشھرة الإعلامیة، وقد أقنعتھ المخابرات الأمریكیة بأن یختطف فاتورة سبتمبر لنفسھ، على
طریقة فیلم فؤاد المھندس القدیم عندما كان یتبرع بتبني أیة جریمة قتل لیكسب احترام فتاتھ؛ وبھذا مھد للجنرالات
احتلال موقعین عظیمي القیمة :أفغانستان والعراق.
-4 ربما ھذا كلھ.
ب - ابن لادن خاطب الأمة الأمریكیة عشیة الانتخابات – بعد صمت طال - مما ساھم بدور لا بأس بھ في فوز
بوش لأنھ:
-1 رجل بوش وما نحن فیھ ھو أكبر عملیة خداع في التاریخ الحدیث. بل ھي أكبر من خدعة برجینسكي السابقة
عندما دعا للجھاد في أفغانستان فقط لینتقم من الاتحاد السوفییتي.
-2 الانتخابات الأمریكیة لیست ضمن جدول ابن لادن، وھو لن یؤجل أو یقدم كلمتھ للمجاھدین بسببھا.
-3 مجرد أحمق وقد كان توقیتھ شدید الغباء كأي شيء فعلھ من قبل. إن قدرات ھذا الرجل لا تتجاوز وضع قنبلة في
محطة أتوبیس یقف علیھا أطفال المدارس كما فعل تنظیمھ في مصر في منتصف التسعینات.
-4 ربما ھذا كلھ.
ج – كان بوسع الولایات المتحدة أن تعد مسرحیة ناجحة عن اكتشاف مخزن لأسلحة الدمار الشامل في العراق،
وتجلب الصحافة العالمیة لتصور، لكنھا لم تفعل ..لماذا ؟
-1 لأن الفكرة لم تخطر لھم.
-2 لأن محاولة كھذه سوف تفتضح في عصر لا أسرار فیھ. إن الفرنسیین والأوروبیین عامة ثرثارون أكثر من
اللازم.
-3 لأن أمریكا دولة أمینة لا تحاول خداع أحد ویجب أن نُشفى من البارانویا العربیة التقلیدیة.
-4 ربما ھذا كلھ.
د- لماذا تصر المنظمات الفلسطینیة على إعلان كل شيء عن منفذي العملیات الاستشھادیة، بما فیھا الاسم والسن
والعنوان، بحیث لا یبقى إلا أن یذھب الجنرال شارون بعد ربع ساعة لیھدم بیوتھم ؟. لماذا لا یتعبونھ قلیلاً بغفلیة
الفاعل ؟
-1 لأنھ لا فارق ھنالك، والأخبار تنتشر بسرعة، والعملاء كثیرون والحمد لله.
-2 على سبیل الفخر وإعطاء الحق لصاحبھ.
-3 قبل أن تنتحل منظمة أخرى العملیة لنفسھا.
4 ربما ھذا كلھ.


ھ - الجماھیر تثور ضد الحرب في أمریكا وفي أوروبا كلھا، لكن الحرب تقع .. البریطانیون غاضبون على بلیر
لكن بلیر یستمر. معارضة كبرى لبوش في أمریكا لكنھ ینال فترة أخرى. السبب ھو:
-1 دیموقراطیة الغرب زائفة فشلت لدى أول احتكاك حقیقي.
-2 لغة المصالح أقوى وھي التي تحرك الجماھیر فعلاً.
-3 إنھا نھایة عصر الجماھیر المؤثرة. افعل ما ترید ولسوف یتبعك القطیع فیما بعد عندما لا یجد حلاً آخر.
-4 ربما ھذا كلھ.
و- كل شيء في أمریكا یتدنى، وثمة إجماع على أن بوش یحكم البلاد بشكل خطأ لكنھم برغم ھذا انتخبوه وفشل
كیري الذي تفوق في ثلاث مناظرات .السبب ھو:
-1 بوش دغدغ الفكر الدیني المحافظ عند الأمریكیین، وھو في ھذا ابن لادن ثان بروتستانتي. لم یعد الأمریكي
مستعدًا لسماع من یبیح الإجھاض ویعتبر زواج الشواذ حریة شخصیة.
-2 المواطن الأمریكي أحمق لا یعنیھ إلا البحث عن صورة عاریة الصدر لبریتني سبیر.
-3 خطاب ابن لادن جعل الأمریكي یعتقد أن تغییر الحصان في وسط السباق خطر داھم.
-4 ربما ھذا كلھ.
ز- برغم خسائر الأمریكیین، وبرغم العملیات المستمرة، فلا یبدو أنھم ینوون الفرار من العراق كما فعلوا مع فیتنام
والصومال. السبب:
-1 كما قال محمد حسنین ھیكل: العراق لیس فیتنام ولھذا لا یجب أن نتوقع تكرار السیناریو. فیتنام لم تكن تحوي
ربع بترول العالم، وكانت الصین والاتحاد السوفییتي یدعمانھا .
-2 إن اللحظة لم تأت بعد وسوف ینھار السد قریبًا، ونرى طائرات الھلیوكوبتر تنطلق مذعورة من فوق سطح
السفارة الأمریكیة، بینما تتدلى جثة علاوي المشنوقة من حبل معلق في أحد میادین بغداد.
-3 انتھى عصر الثورات والمقاومة الشعبیة الناجحة، بعد ما انھار الاتحاد السوفییتي الذي – ویا للعجب – سعوا
كثیرًا من أجل إسقاطھ. اتضح متأخرًا جدًا أن كلمة (اتحاد سوفییتي) كانت مرادفًا للفظة (مقاومة فعالة.(
-4 ربما ھذا كلھ.
ح – في وقت من الأوقات، وصل عدد عملیات المقاومة إلى ثمانین عملیة في العراق یومیًا، وبرغم ھذا یتكلم
الأمریكیون عن 1200 قتیل في عام ونصف. السبب:
-1 ھم كاذبون.. لو مات جندي واحد في نصف عدد العملیات الیومیة لكان عدد القتلى 1200 شھریًا. إن الثلاجات
ملیئة بجثث الجنود الھسبانیین البؤساء الذین لن یدخلوا أیة إحصائیة.
-2 أكثر عملیات المقاومة العراقیة موجھة ضد العراقیین. لا وقت لمھاجمة الأمریكیین.
-3 الأمریكي الذي خرج من صلبھ رامبو وشوارزنجر لا یموت بھذه السھولة.
-4 ربما ھذا كلھ.
ھل أجبت عن كل الأسئلة ؟.. إذن قم بعد اختیاراتك. لو كانت أكثر إجاباتك ھي رقم 1 فأنت عربي أصیل فعلاً،
تعاني نظریة المؤامرة بشكل مرضي وھي الطریق الملكي إلى البارانویا. لو كانت أكثر إجاباتك ھي رقم 2 فأنت ثائر صغیر یؤمن بالمقاومة ویعیش في زمن مكافحة الإمبریالیة وجیفارا ولومومبا وناصر .. سوف تلاقي لحظات
عصیبة مع من یسخرون من ھذا كلھ باعتباره تراثًا عتیقًا بالیًا. أنصحك أن تقرأ قصیدة (إذا (لكیبلنج.. صحیح أنھ
وغد استعماري لكن القصیدة تلخص الموقف. الخیارات التي یغلب علیھا رقم 3 ھي خیارات إنسان واقعي ممن
یطلقون علیھم (مثقفو المارینز) ومن الواضح أن العصر عصرك ما لم تخرج أمریكا من العراق بفضیحة. أما لو
كانت أكثر خیاراتك ھي 4 فأنت لا تعرف شیئًا على الإطلاق مثل كاتب ھذه السطور، وھذا یؤھلنا كي ننضم بجدارة
إلى معسكر الخاسرین في الأیام السود القادمة.

شعث مفارقنا ...!




القبلیة...
من قال إننا تخلصنا منھا ...؟
بیت الشعر العربي القدیم الذي یقول:
شعث مفارقنا .. تغلي مراجلنا
نأسو بأموالنا آثار أیدینا
ھذا البیت تلقیناه جمیعًا في المدرسة، وقال لنا مدرسونا – بنبرة إعجاب لا شك فیھا - إنھ نموذج طیب للفخر عند
العرب .. تأمل مدى الاعتزاز بالنفس ؟... إن مفارقھم مشعثة من القتال، ولكن مراجلھم لا تكف عن الغلیان كنایة
عن الكرم .. وھم یؤذون الناس باستمرار لكنھم یدفعون التعویضات .. ھل ترى ؟.. الآخرون ضعفاء فقراء ومنحطو
النفوس كذلك.. یقبلون بعض المال لینسوا ما أصابھم من أذى..
لیس ھذا فحسب، فالأخ العربي لا یرید أن ینسى القبلیة على سبیل الملل أو التعب أو السھو .. لھذا یقول:
ونشرب إن وردنا الماء صفوًا
ویشرب غیرنا كدرًا وطینا
لماذا تفخر یا أخي بأنك تشرب الماء من النبع صافیًا .. بینما یشرب الآخرون طینًا ؟.. لماذا لا ننظم العملیة فیشرب
الجمیع ماء صافیًا ؟
لكن ھذه الروح موجودة في العرب منذ قدیم، وكنا نحسبھا من سمات الجاھلیة، فإذا ھي تستمر وتُخلد ونقابلھا في كل
یوم ... على مستوى الدول وعلى مستوى الأسرة..
عرفت ذات مرة شابًا رقیق الحال خطب ابنة إحدى تلك الأسر، سأطلق علیھا (ھ) لتسھیل الأمور. وكان لھا أخ
موشك على الزواج بدوره أطلق علیھ (م).. صاحبنا رقیق الحال اشترى سجادة أنیقة للصالون من محلات القطاع
العام وتركھا في شقة خطیبتھ – كما ھي العادة في البیوت المصریة – إلى أن یستكمل تجھیز بیتھ.. تزوج أخوھا
(م) قبلھما فذھب الشاب رقیق الحال لتھنئتھ .. ھنا فوجئ بالسجادة مفروشة في صالون أخیھا !.. ابتلع دھشتھ إلى أن
تكلم مع خطیبتھ على انفراد، وقال لھا إن العادة جرت على عدم استعمال أشیائھ لأن الأمانة تقضي بھذا أولاً، ولأن
ھذا فأل سیئ ثانیًا، ولأن أحدًا لم یستأذنھ ثالثاً، ولأن المعارف المشتركین لن یصدقوا أبدًا أن ھذه سجادتھ ھو یوم
یرونھا في صالون بیتھ، وسوف یفترضون أن أخاھا ھو الذي أعان الشاب الرقیق الحال بإھدائھ سجادتھ..
ھنا تحولت خطیبتھ الرقیقة إلى شيء یشبھ مصاصي الدماء، وقالت لھ إنھ: لا یجب أن یقول ھذا (عنا) وذلك (لأننا)
نعرف ما نفعل ولأن (أخي) لیس بحاجة إلى سجادتك الحقیرة ھذه...
ھكذا ابتلع لسانھ لأنھ كان یحبھا فعلاً ولم یكن یرید تدمیر الزیجة لأسباب تافھة كھذه .. وبالفعل صارت زوجتھ ..
بعد ھذا بعامین تزوج أخو زوجة (م) وذھبا لزیارة العریس في بیتھ .. فوجئت الزوجة الشابة (ھ) بأن النجفة المعلقة
في الصالون ھي نجفة أخیھا (م) الذي سافر لبلد عربي منذ عام .. لقد جرؤت الحدأة على فك النجفة التي اشتراھا
زوجھا بمالھ كي تعلقھا في صالون أخیھا !.. وقد راحت الزوجة الشابة (ھ) ترغي وتزبد وتتحدث عن انعدام المثل
والنساء اللائي لا خلاق لھن .. فذكرھا زوجھا رقیق الحال في رفق بموقف مماثل حدث منذ عام .. لكنھا قالت) إننا)
لا نتصرف مثل ھؤلاء ..(إننا) نعرف جیدًا ما نفعلھ .. وما فعلھ أخي كان استعارة بسیطة لكن ھذه سرقة .. ثم إننا اعتدنا أن نشرب الماء صفوًا ویشرب غیرنا كدرًا وطینًا..
ما دمنا نحن من یرتكب الأخطاء ونؤذي فكل شيء على ما یرام والحیاة حلوة. الجرم كل الجرم ھو أن یفعل بك
الآخرون الشيء ذاتھ لأن ھذا معناه أن الخیر زال من العالم ..
یوقف الرجل سیارتھ في عرض الطریق فإذا لامھ سائق الأجرة الواقف خلفھ، تنطع وتنمر وقال في لھجة منذرة :
إنت مش عارف بتكلم مین ؟... ویرمقھ بتلك النظرة البولیسیة التي تعلم الكل كیف یصطنعھا اصطناعًا .. كأنھ من
عتاة رجال الأمن ذوي النفوذ أو من مراكز القوى في الستینات ..
جرب الآن أن تجعل سائق الأجرة یسد الطریق على نفس الرجل، ولسوف تسمع مواعظ كاملة عن قلة التھذیب
وانعدام الأخلاق .. وتنتھي الموعظة بالعبارة الشھیرة: إنت مش عارف بتكلم مین ؟.. ثم یرفع الموبایل في عصبیة
وقرف إلى أذنھ كأنھ یطلب (مراد بیھ) فلا یقول شیئًا .. فقط یغمغم ثم یغلقھ بعصبیة أكثر ولسان حالھ یقول (أنت
إنسان میت ..(
ھذا نموذج آخر للشعور القبلي الواضح .. وھذا الرجل لا یفعل إلا أن یمارس عملیًا أسلوب: ونشرب إن وردنا الماء
صفوًا ویشرب غیرنا كدرًا وطینا..
كل أسرة ترید أن یكون بین أبنائھا الضابط لیكون عندھا (إبراھیم بیھ) تخالف بھ القوانین وتمشي على أعناق
الآخرین .. كل أسرة ترید أن یكون عندھا وكیل النیابة والمستشار فإن لم تجد واحدًا ناسبتھ أو تمحكت في قریب
بعید .. ھكذا تستطیع أن تخالف القانون كما تشاء .. إن إبراھیم بیھ لقادر على أن یجعلھا تشرب الماء صفوًا ویشرب
غیرھا كدرًا وطینًا..
بفضل (إبراھیم بیھ) أو) سامي بیھ) یمكن للأسرة أن تظفر بلائحة أرقام ذات أربع أو ثلاث خانات .. ھكذا لا یجرؤ
شرطي واحد على الاعتراض ویمكنھا إیقاف سیارتھا في الممنوع وتھدد من ترید..
لكن حدث بلا حرج عما یحدث لو أوقف واحد من قبیلة أخرى سیارتھ في الممنوع.. عندھا تكون الطامة الكبرى ..
أمال إحنا متخلفین لیھ ؟
شعث مفارقنا .. تغلي مراجلنا...
دائمًا (نا) الدالة على الفاعلین .. دائمًا (نحن) و(إحنا (و(عندنا) و(بتاعنا).. والزوجة التي فقد زوجھا الوزیر منصبھ
في التعدیل الوزاري، فأصیبت بانھیار عصبي لأن كشك الحراسة أمام البنایة قد تم رفعھ .. كانت قد اعتادت أن
یكون ھذا (كشكنا) و(حراستنا) و(وزارتنا).. لھذا لم تتحمل فقد ھذا الھیلمان لتصیر كالرعاع الآخرین الذین لا یوجد
كشك حراسة على بابھم..
ونشرب إن وردنا الماء صفوًا
ویشرب غیرنا كدرًا وطینا
والمشكلة في مصر أن الأمر تجاوز مجرد لذة قھر الجیران .. إن النجاح الاجتماعي صار یقترن اقترانًا قویًا بالقدرة
على خرق القوانین .. مش إحنا .. القانون للفقراء والبسطاء (الذین یشربون كدرًا وطینًا ...(أما نحن ففوق القانون
..لھذا كما ذكرت وجد مثال (مش عارف إنت بتكلم مین)... واصطنع الجمیع ذلك الطابع المتكبر الغامض كأنھم من
رجال أمن الدولة شدیدي الخطر، برغم أن ھؤلاء لن یلفتوا الأنظار لأنفسھم في إشارة مرور أو طابور مصرف
لمجرد التفاخر..
نحن .. نحن ومن بعدنا الطوفان..
كیف یجرؤ ھذا الشرطي على إیقاف سیارتي ؟... أتراه یحسبني من الآخرین ؟.. ألا یعرف أنني من (بني مخزوم)
؟... كیف یعاقب ھذا المدرس الفقیر ابني في المدرسة ؟.. ألا یعرف ابن من ھو ؟... لقد تعبت كثیرًا حتى أبلغ مكانة
تسمح لي بمخالفة القانون ولن أسمح لواحد من قبیلة أخرى بأن یحاسبني..
وھكذا تمضي الحیاة في مصر .. لا تدري ھل ھو وباء مستجد أم ھو مرض منذ القدم لم نشف بھ وتظاھرنا بذلك
بعض الوقت ؟.. لكننا لن نتقدم أبدًا ما لم نتعلم كیف نمشط مفارقنا ونطفئ مراجلنا إلا عند اللزوم، وننظم ورود
الینبوع لیشرب الكل الماء صافیًا...

صدام لم یقبض...!




لا شيء یثیر غیظي مثل مداخلات المشاھدین على الھواء؛ تلك التي تلوث برامج الفضائیات خاصة الإخباریة منھا..
عندما یكون ضیف الحلقة في وزن حسن نصر الله أو فھمي ھویدي أو سید القمني أو المدیر السابق للمخابرات
المركزیة في الشرق الأوسط، تكتشف أن ھناك شخصًا في مكان ما یملك الشجاعة العبقریة الكافیة لیرفع سماعة
الھاتف ویعطل تدفق المعلومات المھم لمدة خمس دقائق، فقط كي یعبر عن آرائھ في الحیاة .. وھو أصلاً لا یملك أیة
موھبة إلا امتلاكھ لخط دولي .. لكنھ یتكلم بلھجة المرشد الذي یھدي ھذه الخراف الضالة إلى الصواب: "أنا عجبني
الأستاذ فھمي لما قال كیت وكیت وما عجبني لما قال كذا وكذا .."... إنھا كلمة الحجا أخیرًا بعد ما كثر الدھماء ..
وتشعر طیلة الوقت أنھ من الذین یھوون سماع صوتھم وربما العبث في أصابع أقدامھم كذلك ..
أذكر أن أحد ھؤلاء اتصل بالشیخ القرضاوي لیصدر تعلیماتھ: "قل للمشاھدین كذا وكذا وامنعھم من كذا وكذا ..".
یومھا قال القرضاوي إن نفاق العالم للحاكم أمره مفضوح وخطره محدود، أما نفاقھ للعامة بأن یقول لھم ما یرغبون
في سماعھ فھو أمر شدید الخطر..
یقولون إن ھذه المكالمات مرتبة سلفًا وأنا أصدق أن ینطبق ھذا على نسبة معینة من المتكلمین، أولئك الذین یعرفون
ما یقولون حقًا . لا أصدق أن یسمع جارودي المقیم في باریس الحلقة فیتصل ونسمع صوتھ فورًا وبھذه البساطة، ما
لم یتم ترتیب ذلك مسبقًا. أما البقیة الباقیة فكلامھا یؤكد بلا شك أن المداخلات عشوائیة ..
یمكن لكل متابع یقظ – وأعتقد أن أعداءنا كذلك – أن یرسم صورة دقیقة للعقلیة العربیة من خلال ھذه المداخلات .
وھي صورة لا تسر النفس على كل حال..
أولاً ھناك ذلك الأخ الذي اتصل بأحمد منصور ینصح العرب بسحب أرصدتھم من مصارف الغرب بعد أحداث
سبتمبر .. إلى ھنا الكلام معقول .. فجأة ینفجر صارخًا : المسیخ الدجال ھو من دبر أحداث سبتمبر .. أنا أنذر
أمریكا إن لم تسحب قواتھا في أفغانستان لأفضحن أمرھم في كل المحافل الدولیة!.. وأنھى صراخھ بأن أعطى
أمریكا مھلة حتى صلاة الفجر للانسحاب وإلا خرب بیتھا وفرج علیھا (اللي یسوى وإللي مایسواش! (
في برنامج آخر اتصل مسیحي مصري یؤید المقاومة في فلسطین .. بعدھا اتصل أخ من بلد عربي شقیق لیقول في
حزم: "لیس لنصراني أن یتكلم عن الجھاد في فلسطین .. القضیة في فلسطین إسلامیة أولاً وأخیرًا أما ھم فلیس لھم
إلا الجزیة یدفعونھا"..
ھكذا ببساطة یقول لكل مسیحي یھمھ ما یحدث في فلسطین "وانت مالك یا بارد ..؟"
أحیانًا یأتي الھراء مما وراء المحیط .. واحد من أقباط المھجر یتصل من الولایات المتحدة لیقول في عصبیة إن
الأدب العربي كلھ) عھر) وإن علینا أن ندرس الأدب الفرعوني العظیم الذي قدم للعالم (سنوحي).. كنت سأحترم
كلامھ لو قال ما قالھ بالدیموطیقیة لكنھ قالھ بالعربیة للأسف..
دعك من الأخ الذي أكد - بعد ما عرضت نشرات الأخبار عملیة نقل عرفات المریض إلى فرنسا – أن ھذه تمثیلیة
.. "عرفات لیس مریضًا إنما ھي الطریقة المثلى لیترك الساحة لمن یتنازل من بعده !.. لو شاھدتم الصور لرأیتم أن
عرفات في خیر حال !" .. وتنظر أنت للصور لتجد أن عرفات یبدو كشبح .. ھل أصیب الأخ المتكلم بالعمى كذلك
؟... ثم لنفترض أن عرفات یبدو سلیمًا فما ھو منطق ھذه التمثیلیة ؟.. ھل عرفات یرید التنازل ؟.. إذن لماذا لا
یتنازل ھو نفسھ ؟.. ھل لا یرید التنازل ؟.. إذن لماذا یقوم بھذه التمثیلیة السخیفة ؟ لكن الأخ یتكلم بلھجة قاطعة تقول
بوضوح إننا بلھاء عاجزون عن رؤیة الشمس...
طبعًا وقد انتقل عرفات إلى جوار ربھ توقعت أن تبدأ الأغنیة التالیة: عرفات حي وفي مكان ما بأوروبا یستمتع
بأموال الفلسطینیین .. الجنازة تمثیلیة تم ترتیبھا مع المخابرات الفرنسیة !.. لكن خاب ظني فلم یقلھا أحد بعد
..واضح أنني لست أذكى ممن أنتقدھم ھنا..
ھناك عبقري آخر یصر على نبذ علم الغرب كلھ وأن علینا أن نبدأ في تكوین علم إسلامي خاص بنا .. أي أنھ یرید أن نعید استكشاف قوانین الجاذبیة وشحنة الإلكترون وتشریح البطین وربما العجلة والنار كذلك ..والسؤال ھنا: لماذا
تستعمل الھاتف والدیش وھما ثمرة اكتشافات الغرب الكافر ؟
وقد اعتادت قناة الجزیرة أن تنظم استفتاءات تداعب مقدمًا العقل العربي الذي تفھمھ جیدًا .. ھل تعتقد أن عرفات
مات مسمومًا ؟.. ھل تعتقد أن أمریكا تتلاعب بنا ؟.. الخ . والإجابة دائمًا معروفة لأن من یذكر العكس لا یمكن أن
یكون عربیًا ...
الحقیقة أن العقل العربي ھو أخصب تربة وجدت لنمو بذور الإشاعات ..
كل شيء فیھ مؤامرة ما .. الكرادلة والحاخامات ساھرون في الخارج على ضوء المشاعل السباعیة یشربون الدم
ویخططون لتدمیر حضارتنا .. حتى على مستوى الألعاب .. أقراص لعبة (بوكیمون) الیابانیة عندما تحترق تكتب
كلمة) محمد لا .. كعبة لا).. ھل ھم في الیابان رائقو المزاج إلى ھذا الحد ؟.. ما نفع ھذا لھم وھم لا یفكرون إلا بلغة
الدولار والین ؟.. ھل یكفي ھذا لھدم الإسلام ؟ ..وكیف یھدمھ إذا لم تكن الكتابة تظھر إلا في ظروف نادرة ؟.. ثم
تعال نجرب معًا ونحرق أحد ھذه الأقراص .. لا شيء .. لكن لا أحد یصدق ..الكل یؤكد أنھ جرب أمس ورأى ..
تخرج صحیفة مصریة مھمة تقول إن لفظة (بیكاتشو) - اسم إحدى شخصیات اللعبة - معناھا (كن یھودیًا).. وھو ما
أنكره كل خبراء اللغة العبریة ، لكن الجماھیر لا تقبل عن نظریة المؤامرة بدیلاً.. إنھا طعامھا وشرابھا .. وتخرج
المظاھرات الغاضبة ویقف تلامیذ المدارس خارج مدارسھم یحرقون أقراص البوكیمون في حماس تقربًا لله .. لا
یعلم أحد مصدر ھذه الإشاعة لكني أرجح أنھا شركة منافسة أرادت أن یخلو السوق من البوكیمون لتسویق منتجاتھا،
وھو ما كان فعلاً..
صدام لم یقبض علیھ بعد .. من قال ھذا ؟ ..الصور زائفة ونخیل البلح لا ینمو في ھذا الوقت .. فلو ظھر مكبلاً
بالأصفاد فلیس ھو .. ھناك ممثلون یشبھونھ .. لو اتضح أنھ ھو مائة في المائة فقد قبضوا علیھ مخدرًا . المھم ألا
تصدق ..
أذكر أیام غزو العراق للكویت أن صدیقًا تونسیًا – وكانت تونس تؤید صدام وقتھا – قال لي في اشمئزاز: "حرام
علیكم ..كیف ترسلون ألف فتاة للترفیھ عن الجنود الأمریكیین ؟". جن جنوني غیظًا وقلت لھ إنھ لو كان المتكلم
مجنونًا فلیكن المستمع عاقلاً.. ھل تتخیل لجنة من الحكومة تطوف بالشوارع تختار من البنات أولئك اللاتي یصلحن
لإمتاع الجنود الأمریكیین ؟.. و"متخافش یا حاج .. بنتك حتنام مع العساكر الأمریكان كام یوم كده وبعدین ترجعلك
صاغ سلیم".. تشاجرت معھ لإھانتھ أولاً ولغبائھ ثانیًا .. ثم فوجئت بأن صحفنا تروج ذات الإشاعة لكنھا جعلت
الفتیات بنات دولة عربیة أخرى تؤید صدام .. والمفترض أنھن یذھبن للتسریة عن الجنود العراقیین . وفي الحالتین
الكل یصدق..
خذ عندك أسامة بن لادن .. ھناك كثیرون في الداخل والخارج یعتقدون أنھ لم یقم بشيء مما نسب إلیھ في أحداث
سبتمبر، والموضوع كلھ مؤامرة من دولة داخل دولة تحرك الولایات المتحدة .. منطق قد یكون مقنعًا .. لكن خذ
عندك من یدافع عن ابن لادن لأنھ لم یفعلھا .. ثم ینھي كلامھ بالدعاء لھذا البطل المغوار الذي لقن الولایات المتحدة
أقسى درس في تاریخھا !... ھذا نموذج ممتاز للمنطق الذي یعكس نفسھ في الجملة ذاتھا ..
ثمة حادثة تافھة حدثت في دولة عربیة عرفت بالتحفظ الشدید .. شاب وغد ھاجم زوجة أخیھ وعراھا .. حادث بشع
لكنھ أتفھ من أن یتذكره أحد.. لكن منتدیات الإنترنت تفرغت تمامًا لھذا الموضوع .. الكل یستعیذ بالله وینعي
الأخلاق لكنھ یتلمظ ویسیل لعابھ لمعرفة تفاصیل أكثر ..ھذه الطریقة في الھجوم على الفحش التي تشم فیھا أعتى
درجات الكبت الجنسي والتوحش.. أحد العباقرة الذین علقوا قال في ذكاء: "والله ما عملوھا إلا الموساد !" .. والأسوأ
أن الكل وافقھ على ذلك!..
من ذكر الموساد في الموضوع ؟.. ما ھو دوره ؟.. ما الفوائد الجمة التي ستعود على إسرائیل من قیام شاب بتعریة
زوجة أخیھ ؟.. أسئلة لا جواب عنھا..

وما دمنا تكلمنا عن ھذه المجموعات العربیة فلابد أن نذكر ظاھرة عجیبة .. لا یوجد عقل في العالم یخلط بین الدین
والجنس بھذه الكثافة .. صور عاریة شدیدة الفحش بعضھا شاذ وبعضھا لأطفال جنبًا إلى جنب أحادیث قدسیة
وأدعیة ..! فإذا جاءت سیرة الدین تحول الكل إلى دعاة ومجاھدین كبار ..
أحمد الله أنني لست مفكرًا أو مصلحًا أو داعیة .. إن مھمة ھؤلاء عسیرة .. عسیرة إلى حد لا یمكن وصفھ...!

عن مكدونالد والبطة دونالد...!!




من الخصائص المھمة في الإمبراطوریة الأمریكیة كونھا تقدم – كما یقول الأستاذ ھیكل – نمطًا معیشیًا وثقافیًا بالغ
الجاذبیة. إنھا الإمبراطوریة الأولى في التاریخ التي تستعمل ھذا النوع من السلاح. وفي الماضي كان من السھل أن
تمقت الإمبراطوریة الرومانیة بكل رموزھا؛ فلم تكن كتابات ماركوس أوریلیوس أو خطب بللیني الأكبر تتسرب إلى
دارك، أما الیوم فأنت تشتم الولایات المتحدة ثم تقضي اللیل كلھ مع فیلم أمریكي شائق. یذكر أبناء جیلي أیام الحرب
الباردة حینما كان الماركسیون یعدونك بجنة البرولیتاریا التي ستتحقق بعد الكثیر من الدم والعرق والدموع، بینما
كان الأمریكیون یقدمون لك بالفعل جنتھم الصناعیة ذات اللون والطعم والرائحة، حیث تسبح الحسناوات الشقراوات
في بحار البیبسي كولا بینما یرقص میكي ماوس ویحلق سوبرمان في الجو. إنھ) العالم الحر)... تلك اللفظة
الأمریكیة الاستعماریة التي سادت لتصف كل ما ینضوي تحت جناح الولایات المتحدة خارج الستار الحدیدي، أما ما
وراء الستار الحدیدي فحفنة من الجنرالات السادیین المصابین بالشذوذ الجنسي والذین یتكلمون الإنجلیزیة
(المكسرة(، ومواطنین لا یرغبون في شيء إلا الفرار إلى العالم الحر.
منذ أسابیع قدمت قناة الجزیرة فیلمًا وثائقیًا بریطانیًا عن احتلال العراق، وكان المراسل البریطاني یختبئ مع
المارینز خلف دبابة بینما طلقات المقاومة تنھمر علیھم.. ھنا قال أحد رجال المارینز دعابة لیزیل التوتر، لكنھا
تستدعي وقفة عمیقة: "تصور أننا لم نقصف قط أیة مدینة فیھا (ماكدونالد) ؟!". وقد اندھش المراسل البریطاني لھذه
المعلومة التي ثبت أنھا حقیقیة. إن ماكدونالد رمز استعماري قوي یعني أن ھذه الدولة غیر مارقة، ولھ ذات ثقل
القنصلیة البریطانیة في الماضي.. بل إن ظھوره في بلد ما یعطیھا نوعًا من صكوك الأمان ضد الغزو. ولھذا لا
نندھش كثیرًا عندما نعرف أن الصین اعتبرت البطة دونالد عمیلة للمخابرات المركزیة ومنعت دخولھا البلاد لفترة
طویلة إبان الثورة الثقافیة.
إن الثقافة الأمریكیة – على مستوى القراءة أو المشاھدة أو الطعام - ھي أمضى سلاح في ترسانة الحرب الأمریكیة،
والولایات المتحدة قادرة بالفعل على فرضأولویاتھا الثقافیة .. إنھا الدولة الوحیدة التي تشتمھا وأنت تستمتع بأفلامھا
وتتلذذ بمشروبھا الشھیر .
أنت تشعر بأن من یرتادون محلات الوجبات الجاھزة الأمریكیة لا یفعلون ذلك لأنھم یحبونھا، بل لما یحظون بھ من
(ممارسة للأمركة) على أرض وطنھم، وھم یدفعون ثمن ھذه الممارسة غالیًا ..إن ھذه المحلات لا تبیع طعامًا لكنھا
تبیع جوًا وطقوسًُا وھي تعرف ھذا .. یلبس الشاب (الكاجوال ویر) مع كاسكیت البیزبول المقلوب على رأسھ،
ویحمل شطیرة الھامبورجر وفي الید الأخرى كوب البیبسي یبرز منھ الشفاط فیشعر بأنھ واحد من ھؤلاء السادة في
مع كل عبارة .. باختصار ھم یرتادون ھذه المحلات لكي یكونوا من القوم Shit مانھاتن، ویا حبذا لو استعمل لفظة
أي تلك المصافحات High five الذین یرتادون ھذه المحلات .. لماذا صار الشباب یصافحون بعضھم على طریقة
العالیة التي یستعملھا لاعبو السلة الأمریكیون ؟... لماذا یلبس الشباب القلنسوات الصوفیة على غرار الزنوج
الأمریكیین مطربي (الراب) ؟ .
أجد غریبًا جدًا أن یفھم Sitcom عندما أشاھد أفلام الأمریكیین وحلقاتھم الكومیدیة من طراز كومیدیا الموقف
Dating المواطن العربي ھذه المواضیع أو یتذوقھا لكن ھذا یحدث.. مشكلة الفتى المراھق الذي لا یستطیع مواعدة
أیة فتاة في الصف .. مشكلة الفتاة في الذھاب إلى حفل الرقص السنوي .. مشكلة الطفل الذي لا یحقق أھدافًا في لعبة
البیزبول .. ثم الدعابات السمجة: "أطرف شيء حدث لي في طریقي لھذا الحفل ..تصوروا أنني لم أجد زیتونًا
للمارتیني !" فینفجر الجمھور ضحكًا ومعھ یضحك (عباس) أو (حلمي) من فرط طرافة الموقف.. لا زیتون
للمارتیني ؟... یا للسخریة!. ثم الكلام عن "بطل الكلیة الذي یزن مائة رطل وطولھ ستة أقدام".. فتحاول أنت جاھدًا
فھم ما یمثلھ ھذا بالمتر والكیلوجرام .. ثم یظھر مقدم حفل الأوسكار الذي مھمتھ ھي التظرف – ستیف مارتن غالبًا
- لیقول لنا: "لقد شعرت كأنني في رون ھوارد شو !" .. ھنا ینفجر الجمھور ضحكًا ویوشك على الاختناق .. أنت مطالب بأن تعرف ما تعنیھ ھذه الدعابة أو تختنق ضحكًا مع الجمھور..
حتى على مستوى مجلات الأطفال، لماذا لا یتزوج دونالد صدیقتھ دیزي أبدًا ؟..إنھ یحاول الفوز بحبھا ومن جدید
ندخل في نطاق (المواعدة).. لكن ولا كلمة عن الزواج .. أین الآباء والأمھات في ھذه القصص ؟ ..
ویلاحظ من یتابع الأفلام الأمریكیة الحدیثة أن ھناك نغمة تقدیس واضحة لثلاثة أنماط من البشر: الزنجي والیھودي
والشاذ جنسیًا.. راجع فیلم (أفضل ما یكون) حیث تجد ثلاثة الأنماط معًا .یسھل قبول العنصر الأول بشرط ألا
یتحول إلى عنصریة مضادة، وإن كان العارفون ببواطن الأمور یؤكدون أنھا مجرد قشرة سطحیة تخفي عطن
العنصریة .. یسھل قبول العنصر الثاني بشرط ألا یتحول إلى صھیونیة أو تعصب أعمى .. أما العنصر الثالث
فابتلاعھ عسیر جدًا.. لكننا نتعلم كیف نبتلعھ بالتدریج، وعلى طریقة راسبوتین في ابتلاع جرعات متزایدة من السم
یومیًا ..
إن الثقافة الأمریكیة قویة إلى درجة أنھا تخدر المواطن الأمریكي نفسھ .. ھذا المواطن الذي یمسك بعلبة البیرة
الباردة ویلبس الكاسكیت بالمقلوب ویصلح ھوائي التلفزیون لمشاھدة مباراة كرة القدم .. كرة القدم التي یلعبھا على
عكس العالم كلھ. وھو یؤمن فعلاً بأن أمریكا تقود العالم الحر وأن دیموقراطیتھا ھي النموذج الأعلى للشعوب
الأخرى.. ھذا المواطن التعس الذي آمن بخطر الشیوعیة، ثم بعد سنوات راح یتساءل: كیف قادنا ماكارثي إلى ھذا
كلھ ؟ ... ھل كنا مجانین ؟.. ثم نسى الأمر برمتھ وحارب في فیتنام وبعدھا بسنوات راح یتساءل كیف وصلنا لھذا
؟.. كیف كنا بھذا الحمق ؟.. ثم سرعان ما نسى وأرسل ابنھ إلى العراق .. ولسوف یتذكر الأمر بعد عام أو عامین
لیتساءل: كیف تركنا بوش یقودنا إلى ھذا الجحیم ؟..
بعد خسارة كیري أمام بوش قرأت رأیًا لأحد المواطنین الأمریكیین یقول: لقد كان كیري رائعًا في المناظرات ..
لكننا نؤمن أن المناظرات لا تدل على شيء لھذا كان لابد أن یخسر..!
تأمل معي منطق الأطفال ھذا: من یفز في المناظرة لابد أن یخسر الانتخابات لأن المناظرات لا تدل على شيء!..
إذن ھل كان على كیري أن یخسر المناظرات ؟.. وما جدواھا إذن ... ؟ ..
كائن مغرور ساذج مخدوع ..ھذا ھو المواطن الأمریكي .. المواطن الأمریكي المتوسط الذي لیس خبیرًا في مؤسسة
(راند) ولیس طبیبًا في (مایو كلینیك).. لكنھ صار النمط الثقافي الأكثر جاذبیة على ظھر ھذا الكوكب، وصار على
الشباب أن یفرح لما یفرحھ ، و یقلق من أجل ما یقلقھ حتى لو كان عدم وجود زیتون لشراب المارتیني.. إنھا
العولمة التي وصفھا د. (جلال أمین) بأنھا تسري في اتجاه واحد : منھم إلینا .. بینما المفترض أن تسري في
الاتجاھین .. لكن الأمریكي یؤمن أنھ لیس لدى الشعوب الأخرى ما تقدمھ لھ إلا فطیرة إیطالیة جدیدة أو وجبة
مكسیكیة أو أسلوبًا صینیًا جدیدًا في التأمل ..
لقد تغلغلت الثقافة الأمریكیة في خلایانا وخلایا شبابنا بلا شك .. والمشكلة أن المقابل الفكري المتمثل في الاتحاد
السوفییتي لم یعد موجودًا .. كانت ھناك سماء وأرض، وكان ھناك أبیض وأسود، وكان ھناك ماء ونار .. الیوم لم
یعد لدینا إلا الأرض والأسود والنار .. فلابد أن الناس في روسیا الآن یحاولون تحویل الرطل والقدم إلى الكیلوجرام
والمتر، أو یبحثون عن زیتون لشراب المارتیني!

الفضائیات... وسقوط الأوھام ...



یحكي الأستاذ محمد حسنین ھیكل عن شاه إیران في أیامھ الأخیرة، عندما شعر بوجود مظاھرات عارمة في
الشوارع فأرسل خادمھ العجوز إلى خارج قصر الطاووس لیتحرى الأنباء، وعاد الخادم لیقول لھ ما یرغب في
سماعھ: المظاھرات محدودة یقودھا بعض الشیوعیین ولسوف تخمد سریعًا. لكن الشاه لم یسترح لھذا الكلام، فركب
طائرتھ الھلیوكوبتر سرًا وحلق في سماء طھران لیرى بعینھ كل ھذه الحشود التي أمضت لیلتھا في الشوارع. وقد
سأل طیاره في ذھول: ھل كل ھؤلاء یتظاھرون ضدي ؟. لم یرد الطیار وكانت ھذه على كل حال إجابة كافیة جدًا.
على أن الشاه لدى عودتھ للقصر أصیب بحالة بارانویا كاملة جعلتھ یشك في الجمیع، وأصدر تعلیماتھ بألا یزور
جناحھ أحد حتى الإمبراطورة ذاتھا..
إنھا اللحظة المحتومة حینما یدرك الطاغیة الحقیقة .. إنھ لا یملك أیة شرعیة لدى شعبھ وإنھم یمقتونھ حقًا .. لا
صحة لكلام الحاشیة ولا مستشاري السوء .. لیس المتظاھرون (قلة حاقدة) وإنما ھم الشعب ذاتھ بلا نقصان .. وھذا
یدلنا على حقیقة أخرى مھمة: حتى أعتى الطغاة یعاني حاجة نفسیة ملحة لأن یشعر بأنھ على حق وأن ھناك من
یؤیده .. وانھیار ھذا المعتقد قاس جدًا بالنسبة لھ .
كان ھذا في الأیام السعیدة التي یضطر فیھا الحاكم إلى ركوب الھلیوكوبتر أو الخروج متخفیًا لیرى بعینیھ كراھیة
شعبھ لھ، أما الیوم فالكراھیة نفسھا تتسلل إلى غرفة نوم الحاكم عبر شاشات الفضائیات ..
یحدث ھذا برغم آلاف المفسرین والمؤیدین ذوي موھبة تبریر كل ما یقوم بھ الحكام .. یذھب الحاكم لمؤتمر
(الفسكونیا) فیسودون الصفحات یشرحون فیھا أھمیة أن ننضم إلى تیار (الفسكونیا) أخیرًا لأن الزمن غیر الزمن
وقواعد اللعبة تبدلت، ثم ینسحب الحاكم من مھرجان (الفكسونیا) فیسودون عشرات الصفحات عن عبثیة (الفكسونیا (
وذلك الوھم الذي ما زال البعض یعیشون فیھ. وھي بحق موھبة تستأھل ما ینالون من أجور ومزایا .
إن موقف الحكام الیوم أقرب إلى الكومیدیا السوداء لو كانوا یرون الفضائیات – وھو الاحتمال الأرجح من باب
الفضول على الأقل - ویسمعون كل ما یقال ضدھم بلا قیود ولا رقابة .. خاصة مئات المداخلات عبر الھواتف
الدولیة والتي یستخدم أصحابھا أسماء مستعارة، ویتصلون من ھواتف عمومیة على الأرجح. ثمة من یتھمھم بالعمالة
والكفر، ومن یتھمھم بالجبن والتخاذل، ومن یحكي الفظائع التي حدثت لھ على أیدي عسسھم. ھكذا تتولد علاقة فریدة
من نوعھا جدیرة بالدراسة ..
لم یعد واحد من الحكام العرب یملك أیة أوھام بصدد شعبیة مزعومة یحاول الشیوعیون أو الأصولیون تدمیرھا ..
لقد صارت الأمور واضحة واللعب (على المكشوف).. إنھم یكرھونني كالجحیم وأنا كذلك أكرھھم .. ولولا عصا
الأمن الغلیظة لحولني ھؤلاء إلى أشلاء ..
من ھنا تتولد عقدة السجان المعزول في محیط یمقتھ.. إنھ أكثر الناس قلقًا في السجن .وتدریجیًا یفقد أي ولاء كان
یحسبھ لدیھ تجاه شعبھ .. فھو غیر مدین للناس ببقائھ وإنما ھو مدین للأمن وللقوى الخارجیة ، ولیست علیھ
التزامات من أي نوع تجاھھم .. إنھا علاقة من انعدام الثقة والمقت المتبادل .. یقول المثل العامي إنھ حینما مات
كلب العمدة ذھبت البلدة كلھا للعزاء، فلما مات العمدة لم یكلف أحد خاطره .. وقد أدرك الحكام ھذه الحقیقة وعرفوا
أن قیمتھم الوحیدة ھي المنصب والقوة..
ھل یعني ھذا أن الفضائیات أدت إلى تدھور علاقة الحاكم بالمحكوم في الدول الشمولیة ؟.. ھذا التدھور موجود
وكان سیتفاقم عاجلاً أم آجلاً، لكنھا أدت المھمة بشكل أسرع وبأسلوب) توصیل الخدمة إلى المنازل). فلم تعد ثمة
مصداقیة لمن یكذب على الحاكم بینما لا مصداقیة لمن یكذب على الشعب قبل الفضائیات بزمن سحیق. أما إلام
یفضي ھذا الغلیان وھذا الحراك الجیولوجي كلھ فالعلم عند الله.

شباب عاوز الحرق ..!




ثمة إجماع في وسائل الإعلام والأعمدة الصحفیة على أننا رزقنا – من دون الأمم – بألعن جیل من الشباب الرقیع
المنحل الشھواني التافھ.. (شباب عاوز الحرق) باختصار شدید.. نحن وكل جیلي سلبنا الشباب أحلامھ، واحتللنا
المناصب التي یمكن أن یطمح إلیھا، وحرمناه أبسط الحقوق التي یمارسھا أي قط في زقاق: الملجأ والزواج،
وأعطیناه سفینة غارقة نخرة امتلأت بالثقوب نُھب كل لوح خشب وكل مسمار فیھا، وقلنا لھ إن علیھ أن یتولى
الإبحار بھا بعدنا .. وینظر الشاب إلى البحر الذي یعج بالأساطیل وحاملات الطائرات التي صنعھا الآخرون،
فیتساءل: ماذا كنتم تفعلون طیلة ھذا الوقت حینما كانت السفینة لكم ؟.. فنقول لھ: أنت شاب شھواني قلیل الأدب ..
وربما سافل كذلك .. مشكلتك ھي أنك كسول ترید كل شيء بلا تعب..
نعم .. وسائل الإعلام تنظر بریبة واضحة إلى ھؤلاء الأوغاد بشواربھم نصف النامیة والحبوب في وجوھھم
وأصواتھم الخشنة .. وھي تتظاھر بحبھم وتقدم لھم الكثیر من (نانسي عجرم) و(ألیسا)، لأنھم ما زالوا الوسط
الاستھلاكي الأفضل، لكنھا تعتقد في قرارة نفسھا إنھم خطر أمني داھم، وأنھم یدارون ذیولھم في سراویلھم..
المشكلة فعلاً أن الشباب لم یعد على ما یرام .. ھذه الطاقة الكاسحة المعطلة التي حرمت الأمل والمشروع القومي
المشترك تزداد خطرًا یومًا بعد یوم، والفراغ یھدد كل شيء وكل بیت .. لاحظ انتشار الكافتیریات وملاعب البلیاردو
ومقاھي السایبر.. باختصار: ثقافة البطالة. لاحظ نمو التطرف الدیني الذي تزامن مع غیاب المشروع القومي والأمل
في الغد. ولغة (الروشنة) التي یستعملھا الشباب تحوي في % 90 من كلماتھا معاني الاستھتار والتحدي .. دعك من
الوقاحة التي یشكو منھا كل مدرس .. یحكي الدكتور (جلال أمین) – العالم الوقور عظیم الشأن - عن شاب من
ھؤلاء دنا من سیارتھ وھو جالس فیھا ینتظر زوجتھ، فاستند على النافذة بجواره، وراح یثني مرآة سیارتھ ویفتحھا
بلا توقف وبلا ھدف واضح وعلى سبیل التحدي فقط، بینما ظل الأستاذ الكبیر جالسًا في السیارة صامتًا یرقب ھذا
السلوك غیر المفھوم..
لكننا نحن المسئولون بالكامل عن خلق ھذا الوحش .. وكما یقول الشاعر العربي:
إنا بأیدینا جرحنا قلبنا .. وبنا إلینا جاءت الآلام
قرأت لأحد الصحفیین الكبارالفلاسفة – (ولن أذكر أسماء لأن بلاط السجن سیكون باردًا جدًا في ھذه الفترة من
السنة) - أنھ كان في رحلة مع مجموعة من الشباب حینما سمعھم یغنون: الأقصر بلدنا بلد سواح .. فیھا الأجانب
تتسوح .. وكل عام وقت المرواح بتبقى مشتاقة تروح .. وتسیب بلدنا!
یتساءل الأستاذ العبقري: أین ذھب الانتماء لدى جیل الشباب ؟... ذھب یا سیدي الفاضل بسببك وسبب أمثالك، الذین
أیدتم كل نظام حكم وكل سیاسة، وعملتم جاھدین من أجل الوصول إلى الثراء والنفوذ صاعدین سلمًا من أجساد
الشباب المطحون .. في عصر كانت الصحف المصریة ترسم فیھ الزعماء العرب جالسین على (قصریة) أطفال،
وفي عصر كان یعلن فیھ في الصحف عن زیادة الأسعار فتكتب مقالاً كاملاً تؤید فیھ ھذه الخطوة المباركة التي
تأخرت كثیرًا، وحینما یضع السادات كل قوى مصر السیاسیة في السجن تكتب مباركًا (ثورة سبتمبر) ھذه ..
یؤمن الشباب بعبد الناصر فیخرج ألف كتاب یلعن عبد الناصر .. یحن الشباب إلى سعد زغلول فتمزقون سعد
زغلول ..كل إنجازات یولیو تحولونھا إلى كوارث یولیو .. تھللون للاشتراكیة في عھد عبد الناصر ثم تلعنون أباھا
في عھد السادات .. وتلعنون أمریكا في عھد عبد الناصر وتكتشفون أنھا الشریك الكامل الأمین في عھد السادات.
ولولا بعض الحیاء والخشیة من النظام الحالي الذي یستمد شرعیتھ من أكتوبر لشككتم في حرب أكتوبر ذاتھا :
"المصریون لم یعبروا القناة في أكتوبر .. القناة ھي التي تحركت إلى الغرب بضعة كیلومترات ."
في إحدى فترات الخلاف العابرة مع أمریكا قرأت مؤخرًا لصحفي كبیر جدًا یقول: "علینا أن نشفى من خرافة أن
%99 من أوراق الحل في ید أمریكا!". والحقیقة أنك یا سیدي كتبت ھذه الخرافة مرارًا من قبل خاصة في عھد
السادات ..من حسن حظ الشباب أنھ لم یقرأ مقالاتك القدیمة تلك وإلا لجن بالتأكید..


تخرج وسائل الإعلام للقاء الشباب ومعھا المذیعة التي سكبت زجاجة أكسجین كاملة على شعرھا ووضعت طنًا من
المساحیق كأنھا إحدى بطلات مسرح الكابوكي الیاباني.. تسأل الشاب عن اسم وزیر (التوابع المضادة) أو وزیر
(التعاون الإعلامي التخطیطي) فلا یمن الله علیھ بكلمة .. من ثم تخرج الصحف صارخة: الشباب تافھ شھواني رقیع
.. لیت الشباب یھتم بعقلھ كما یھتم بالدھان الذي یسكبھ على شعره..
الحقیقة أن الإجابة عن ھذا تكمن في كلمات (أورویل) في روایتھ الرائعة 1984 عندما دبت مشادة بین البطل
وحبیبتھ حول (ھل كان الحزب في حرب مع أیستاسیا أولاً أم كان في حرب مع إیوراسیا ؟)... یقول (أورویل) إن
الفتاة لم تكترث بھذا على الإطلاق لأنھا لا ترى فارقًا بین ھراء وھراء آخر ..
الشاب لم یختر وزیر (التعاون الإعلامي التخطیطي (ولم یسمع عنھ من قبل، ویوم یرحل ھذا الوزیر فلن یعرف أحد
السبب .. إذن ما جدوى معرفة اسمھ ؟.. لا فارق بین (ھراء وھراء آخر).. اسمحوا للشاب أن یختار وزیر) التعاون
الإعلامي التخطیطي) ثم طالبوه بأن یعرف اسمھ، وانصبوا لھ المشانق لو لم یعرفھ..
نفس الشيء ینطبق على الأسئلة من طراز (متى مات بیلاطس البنطي ؟).. (ما طول نھر المسیسبي ؟).. (من مؤلف
كتاب تثقیف الشعوب في تقنیة الحاسوب ؟).. السیدة المذیعة لو انتزعوا منھا البطاقة الأنیقة لن تعرف الإجابة،
والسید المعد لا یعرف الإجابة وأنا لا أعرف الإجابة، ولیس مما یفید الإنسان المعاصر أن یعرف طول نھر
المسیسبي ما دامت ھذه المعلومات موجودة في أیة دائرة معارف .. إنھا ثقافة (الكلمات المتقاطعة) التي یصرون
على أنھا ھي الثقافة ولا شيء سواھا، بینما الثقافة ھي أن تستخدم ما تعرف في تكوین مفھوم متكامل للعالم من
حولك وكیفیة التفاعل معھ..
لكن وسائل الإعلام لا ترضى بھذا .. ھي لا ترید إلا أن ترى الدماء تسیل وتلطخ كل شيء .. لھذا تطالب برأس
الشاب التافھ.. بینما اسم آخر أغنیة لراغب علامة أو عید میلاد روبي ھي بالفعل معلومات تبدو مھمة للشاب .. على
الأقل ھو لا یُرغم على معرفتھا، وتمس حیاتھ – ورغباتھ – بشكل واضح .. ولا تتعالى علیھ أو تعده بما لا یمكن
تحقیقھ .. ولا تھدم ما آمن بھ من قبل بلا مبرر.. والأھم أنھا لا تسد علیھ طریق الترقي والنمو في الحیاة ..
باختصار: (روبي) تبدو ھي الشيء الوحید الحقیقي وسط كل ھذه الأوھام وكل ھذا الكذب..
الشباب لیس مجموعة من الملائكة، لكنھم لیسوا شیاطین ..سوف یصیرون كذلك لو لم نفق من غیبوبتنا، ونحن لسنا
ملائكة ولا شیاطین .. نحن ملاحون خائبون غرقت سفینتھم أو كادت .. وعلینا أن نترك قطعة خشب واحدة طافیة
لیتمسك بھا من یأتون بعدنا.

لإنه الأستاذ



قبل أن أخط حرفاً في ھذا المقال، یجب أن أعترف بأن العبد لله لیس متخصصاً في السینما ولم یدرسھا إلا بشكل ھاو
من خلال مشاھدة الأفلام، وقراءة كل ما وقع في یده عن ھذا الفن الرائع. لكني أحسب أن عندي عقلاً یمیز، وأعرف
الزبد الذي یذھب جفاء وما ینفع الناس. أعرفھ وإن كنت لا أعرف غالباً كیف أقدم الأخیر.
السؤال الذي أرید أن أسألھ ھو: ھل العبقري (یوسف شاھین) عبقري حقاً ؟.. لنضع السؤال بشكل أدق: ھل (یوسف
قد أضاف شیئاً لیوسف شاھین المخرج ؟...سؤال أمین لا أبتغي منھ إلا الظفر بإجابة Auteur شاھین) المؤلف
أمینة .. ویجب أن اذكر القارئ الكریم بأنني أعتبر (الأرض) أعظم فیلم مصري على الإطلاق، ولم أستطع قط أن
أرى لقطة واحدة من (باب الحدید) من دون أن أتابع الفیلم حتى كلمة النھایة.
یكتم البعض ابتسامتھ الخبیثة ویھمس البعض في ضیق: "ھي ذي اللعبة التقلیدیة .. اقذف العمالقة بالحجارة لیُذكر لك
أنك یوماً قذفتھم .. جربھا الكثیرون مع (العقاد)، وجربھا (العقاد) نفسھ مع (شوقي) في مستھل حیاتھ حین فتح علیھ
مدافع الدیوان..". لكني أكرر أن ھذه ھي المشكلة فعلاً.. لا أحد یصدق أو یقبل أو یسمح بأن یكون (یوسف شاھین)
أقل من المكانة التي رسمناھا لھ..ومن ھنا یأتي السؤال: ھل الإمبراطور بكامل ثیابھ أم أننا نخشى الاعتراف بعكس
ذلك كي لا نبدو حمقى ؟ لماذا؟.. لأنھ الأستاذ..
لقد قدم شاھین فیلمھ الأخیر (إسكندریة نیویورك) وفیھ تحدث عن الأمور التي تروق لھ كالعادة بدءاً ب(فرید استیر)
والدراسة في أمریكا الخ، تملق تلك الأخیرة إلى حد لا بأس بھ، لكن ھذا الصنم القاسي لم یتقبل القربان، ورأى أنھ
دون المستوى طبقاً لكلمات لجنة التحكیم في مھرجان نیویورك .. والنتیجة..سوف تبدأ أعنف حملة ممكنة تتھم
رفض المھرجان لفیلم شاھین الأخیر بأنھ عمل عنصري قذر، وأنھ یعبر عن الوجھ القبیح الحقیقي لأمریكا. ولن
یجرؤ أحد أبداً على مراجعة إمكانیة أن یكون الفیلم ردیئاً فعلاً. لماذا ؟.. لأنھ الأستاذ..
غیر قابل للمراجعة أو المناقشة. وحتى الكومبارس الذي یقدم Cult ھذه ھي مشكلة یوسف شاھین.. إنھ تحول إلى
للبطلة كوب ماء في أحد أفلامھ یعتبر نفسھ أستاذاً من أساتذة التمثیل، ویقول في وقار وغموض:" أفضل أن یرى
الناس العمل لیحكموا بدلاً من أن أتكلم عنھ". وغدا من التقلیدي في كلام أي ممثل أن یحكي عن (تجربة التطھیر أو
المیلاد الجدید) التي اجتازھا بالعمل مع شاھین.
یصر شاھین على أنھ مفكر .. وھنا أخطر المآخذ التي لا أدري كیف نقبلھا في أفلامھ .. إلام یفضي المسار الفكري
لفیلم (المھاجر) ؟.. رؤیة مختلة لقصة سیدنا یوسف مع تنویھ واضح إلى أن (الأرض لمن یستطیع أن یزرعھا) ولا
أعرف إلام یفضي بنا ھذا ؟.. ماذا عن الرسالة المضطربة في (وداعاً بونابرت) حول أن العلاقة المثلیة بین جنرال
فرنسي وشاب مصري ھي الطریق الوحید إلى امتزاج الحضارات والسلام ؟. حل مشكلة التطرف في (المصیر) ھو
أن نرقص أكثر.. وقد نشب خلاف صحفي شھیر عندما عرض (حدوتة مصریة) لأنھ تجاھل كون الفكرة لیوسف
إدریس .. قال یوسف إدریس إن شاھین جاءه بفكرة ساذجة عن ولد اسمھ (آدم) وبنت اسمھا (حواء) یلتقیان للحب
فیبرز لھما رجل غلیظ یحمل شومة المفترض أنھ (المجتمع).. طبعاً لم یكن إدریس مستعداً لسماع المزید من ھذا
الكلام، وقدم فكرتھ العبقریة التي تدور حول محاكمة إنسان داخل ضلوعھ، بسبب إحباطھ للطفل بداخلھ.. وكیف
تحول ھذا الطفل إلى جلطة تسد شرایینھ التاجیة. یمكن لنا إذن أن نتصور الفیلم لو خرج بصورتھ الأولى !
في أفلام شاھین یتكرر ذلك الخلط الساذج بین المتصوفین ورواد الموالد والأصولیین، فھو – كالخواجات تماماً –
یضع كل ھؤلاء في سلة واحدة تمسك بالدف وتتطوح ذات الیمین والیسار، برغم أنھ لا یمكن الجمع بین المتصوفین

والأصولیین أبداً، فكلاھما یرى الآخر خارجاً عن الدین. وقد اتھمھ د. (عاطف العراقي) أستاذ الفلسفة الشھیر بأنھ
اخترع (ابن رشد) لا وجود لھ.. ماذا عن الإرھابي الذي یضع أیقونة القنبلة على بریده الإلكتروني ؟... لكن أحداً لا
یعلق .. لماذا ؟.. لأنھ الأستاذ..
أما عن الجانب الأخلاقي للأفلام فھناك میزانان في الرقابة .. میزان للعامة ومیزان لشاھین .. ھكذا تصفح الرقابة
في تسامح أسطوري عن علاقات الحب المثلیة التي لا یخلو منھا فیلم من أفلامھ تقریباً، ولعلھ تملق لتیار العولمة،
وأراھن أنھ یفتخر في مناقشاتھ الخاصة في الغرب بأنھ أول من تجاسر على تقدیم علاقات كھذه لمجتمع متخلف.
تصفح الرقابة عن العلاقات الأسریة المختلة في كل فیلم..عن الاشتھاء الواضح من الأم لابنھا في (الآخر)، وتصفح
عن اشتھاء الأخت (صفیة العمري) لأخیھا في (المھاجر)..حتى زوجة الفیلسوف (ابن رشد) لم یرحمھا .. إننا نرى
في عینیھا اشتھاء كاملاً للفتى الفرنسي الذي جاء یتتلمذ على زوجھا. وتصفح عن مشاھد كاملة في (إسكندریة
نیویورك) لو قدمھا سواه لعلقوه مشنوقاً في میدان (طلعت حرب).. ما معنى ھذا ؟. نظارة ھیبة العبقریة وضعت
على عین الرقیب فلم یعد یرى... لماذا ؟.. لأنھ یتعامل مع الأستاذ..
دعك من المیزانسین المحفوظ المكرر في أفلامھ. فالناس لا یتكلمون بھذه الطریقة، كأن یقف أحدھم وراء جدار
ویطل من نافذة فیھ لیكلم الآخر الواقف في الناحیة الأخرى. بالإضافة لھذا یبرھن یوسف شاھین عن أنھ لا یفھم شیئاً
عن الأسرة المصریة المتوسطة التي یقحمھا في كل أفلامھ. وھو یعتبر ذروة المصریة أن تقول (حنان ترك) لأمھا
وھي ترقص (خطبني تحت المطر) فتقول أمھا دامعة العینین: (مش حاقول رأیي غیر لما اشوفھ)..
أما عن التمثیل فھو لم یكف یوماً عن خنق موھبة ممثلین عظام مثل (محمود حمیدة) وآخرین لیتحركوا في القیود
الضیقة التي صنعھا لھم، كما لم یكف عن اكتشاف وجوه لا علاقة لھا بالتمثیل مثل (ھاني سلامة) و(أحمد محرز)
و..و... لماذا یقحم دالیدا لمجرد أن یثبت أنھ یستطیع ؟.. یقول الناقد (سامي السلاموني): "اختار (شاھین) للفیلم
(سعاد حسني) ثم (محسنة توفیق) ثم (فردوس عبد الحمید) وفي النھایة استقر على (دالیدا).. كیف یصلح لسعاد
حسني ما یصلح لدالیدا ؟.. معنى ھذا أن یوسف شاھین لا یؤمن بقیمة الممثلین، وھو یرصھم كقطع الشطرنج في
أفلامھ لیقولوا أي كلام". لماذا ؟.. لأنھ الأستاذ..
وترى الفیلم أي فیلم فلا ترى معجزة تمثیلیة ما.. إن الممثلین متخشبون مسجونون في قیود فولاذیة فرضتھا شخصیة
شاھین القویة علیھم، ولا أحد منھم یجرؤ على حركة زائدة .. الكلام یخرج على طریقة (عمر الشریف) في (صراع
في الوادي) من شفة علیا مسدلة متصلبة، وكأنھ طلقات الرصاص مع نغمة ناعسة ملول لا داعي لھا، والمقاطع
مدغمة، والتعبیر على الوجھ یأتي بعد إنھاء الكلام لا معھ. وأشك في أن كل من مثل معھ عاش أقسى لحظاتھ وإن
كان لا یعترف بھذا.
ماذا عن الحوار الركیك الذي یصر على كتابتھ على غرار (أمریكا إلي محدش یقدر علیھا) ؟.. وھو ینھي المصیر
بعبارة بالغة العمق (الأفكار لھا أجنحة محدش یقدر یحبسھا).. ماذا عن الإصرار على فرید أستیر الذي لم یكن قد
عرض لھ أي فیلم في مصر عندما انتشرت الكولیرا في (الیوم السادس).. ؟..یقول سامي السلاموني: "كیف عرف
القرداتي كل ھذا عن (فرید أستیر) ما لم یكن قد سافر إلى نیویورك لیحضر عرض فیلمي (في المدینة) و(الغناء
تحت المطر) ؟".
لكننا نعرف السبب .. لقد قدم شاھین ھذا فقط لأنھ یحبھ.. كما یمكن أن یقدم فیلماً كاملاً مثل (إسكندریة كمان وكمان)
لیثبت أنھ راقص بارع و(إسكندراني جدع).. لماذا ؟.. لأنھ الأستاذ..
كما قلت في بدایة المقال، لا اعتراض لي على یوسف شاھین المخرج .. بل إنھ من أعظم مخرجینا وأكثرھم سیطرة
على تكنیك أفلامھ. لكن – كما یقول سامي السلاموني - ماذا یبقى من أفلامھ إذن لو نزعنا التكنیك ؟. وطبعاً لا
اعتراض على التصویر والمونتاج لأنھ یعمل مع الطاقم الأفضل دائماً...





المخرجون من عینة محمد خان وصلاح أبو سیف وخیري بشارة وداود عبد السید قدموا أسالیب فریدة ناضجة لكن
من دون ادعاء، ولم یتھمھم أحد بالعبقریة، كما إنھم – على قدر علمي – لم یتلقوا قدراً زائداً من التدلیل .. ..
بالنسبة لي یوسف شاھین ھو العبقري الذي قدم باب الحدید والأرض ... ھو المخرج فقط لكن لي ألف اعتراض
على المؤلف .. فما رأیك أنت ؟

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More