Advertisement

كارثة البطالة في مصر .. قنبلة موقوتة




كارثة البطالة في مصر .. قنبلة موقوتة


كارثة..أسمها البطالة .. فى مصر

إنها حقا كارثة تستوجب الوقوف .. ولفت الانتباه .. فالواقع يؤكد أن معدلات البطالة فى تزايد مستمر ، الجميع يحاول البحث عن طريق للخروج من الأزمة ولكن الواضح أنه يزداد ابتعادا!!

فى السطور التالية نحاول الاقتراب من جذور المشكلة بشكل موضوعى بعيدأ عن المزايدات وإلقاء الاتهامات فى محاولة للوقوف على تفاصيل وأبعاد القضية فى محاولة لإيجاد الطريق الصحيح

البطالة ، بوجه عام، هى تعبير عن قصور فى تحقيق الغايات من العمل فى المجتمعات البشرية، وحيث الغايات من العمل متعددة، تتعدد مفاهيم البطالة فيقصد بالبطالة السافرة وجود أفراد قادرين على العمل وراغبين فيه، ولكنهم لا يجدون عملاً ، وللأسف يقتصر الاهتمام بالبطالة، فى حالات كثيرة، على البطالة السافرة فقط.

لكن مفهوم البطالة، أو نقص التشغيل، يمتد إلى الحالات التى يمارس فيها فرد عملاً ولكن لوقت أقل من وقت العمل المعتاد، أو المرغوب. وتسمى هذه الظاهرة البطالة الجزئية الظاهرة أو نقص التشغيل الظاهر. ويمكن اعتبار نقص التشغيل الظاهر تنويعة على صنف البطالة السافرة.

ويحدث فى بعض المجتمعات أن يعانى بعض من أفرادها، فى الوقت نفسه، من زيادة فى التشغيل، بمعنى عملهم وقتاً أطول من معيار معتاد لكى يتمكنوا من الوفاء باحتياجاتهم، وهو وجه آخر من أوجه اختلال التشغيل فى المجتمع.

كذلك يمكن أن يعانى الأشخاص المشتغلون، ولو كل الوقت المعتاد، من نقص التشغيل المستتر أو البطالة المقنعة، عندما تكون إنتاجيتهم، أو كسبهم، أو استغلال مهاراتهم وقدراتهم، متدنية حسب معيار ما، وهذه أخبث أنواع البطالة، خاصة فى المجتمعات النامية. حيث نقص التشغيل المستتر هو الوجه الآخر لتدنى الإنتاجية الاجتماعية للعمل المبذول؛ أو لقصور الدخل من العمل عن الوفاء بالحاجات الأساسية، ومن ثم انخفاض مستوى الرفاه الاجتماعى الكلى، أى الإفقار؛ أو لإهدار الطاقات البشرية والاستثمار فى التعليم نتيجة لقلة التوافق بين نظم التعليم واحتياجات سوق العمل؛ أو لتحمل شروط عمل غير آدمية مثل وقت عمل بالغ الطول أو بيئة عمل مضرة؛ وكلها قسمات جوهرية للتخلف. ومن أسفٍ، أن نقص التشغيل المستتر لا يلقى العناية الواجبة فى مناقشة البطالة. ويعود هذا، أساساً، إلى الصعوبات الكبيرة التى تحيط بهذه الظاهرة، فى الفهم والقياس والتشخيص والعلاج.

وتزداد أهمية التفرقة بين ألوان البطالة فى البلدان النامية التى لا يلتحق بالقطاع الحديث من النشاط الاقتصادى فيها إلا قلة من العاملين. حتى هذه القلة لا تتمتع بمزايا العمل، أو التعويض عن البطالة، المعتادة فى الاقتصادات الرأسمالية الناضجة (لهذا لا يستقيم، كما يقال أحياناً، أن معدل البطالة فى مصر يقل عن أوروبا مثلاً).

يتأثر تقدير حجم البطالة في مصر بالمشاكل المفاهيمية والعجز الإحصائي بالشكل الذي ظهر فيما سبق ، حيث إن أول ما يواجهنا من عقبات عند التصدي لقضية البطالة هو قلة البيانات وعدم دقتها بشكل يقود إلى تصور إجراءات التصحيح والعلاج.

ويمكننا تتبع تطور حجم مشكلة البطالة في مصر من خلال بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء حول تقدير حجم البطالة حيث نجد أنه في عام 1960 كان معدل البطالة 2.5 % من إجمالي حجم القوى العاملة، وفي تعداد 1976 يقفز الرقم إلى 7.7 % ثم إلى 14.7 % من تعداد 1986، ولكنه وصل في 1996 8.8 %.

على أنه من المهم هنا أن تشير إلى أن تلك الأرقام تتعلق فقط بالبطالة السافرة فهي لا تشمل البطالة المقنعة الإنتاجية كما لا تشمل البطالة الموسمية أي هؤلاء الذي يعملون في موسم معين ثم يتعطلون باقي العام كما لا تشمل أولئك الذين يعملون في حرف وقطاعات هامشية لا استقرار فيها تتسم بضعف الدخل للدرجة التي لا توفر الحياة اللائقة.

أما بالنسبة لرقم ومعدل البطالة الحقيقية في الوقت الراهن فهناك اختلاف فيها، فبيانات الحكومة متمثلة في الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء تشير إلى أن عدد العاطلين في مصر قد بلغ نحو 1.78 مليون عاطل في بداية عام 2002 بما يعني أن معدل البطالة قد بلغ نحو 9.1 % وبالمقابل تشير بيانات البنك المركزي المصري في نشرته الإحصائية والشهرية الصادرة في أبريل 2002، إلى أن عدد العاطلين في مصر ثابت عند 1.5 مليون عاطل من العام المالي 69/97 وحتى العام المالي 2000/2001 حيث بلغ 7.6 % من إجمالي قوة العمل البالغ نحو 19.5 مليون نسمه.

وهذه البيانات بدورها تختلف عن البيانات التي أوردها صندوق النقد الدولي في تقريره لعام 2001، ولكنها جاءت معتمدة على بيانات عام 1995، وهو العام الذي تتوقف عنده بيانات صندوق النقد الدولي لعدم وجود بيانات يمكن للصندوق أن يأخذ بها للأعوام التالية لعام 1995.

كما يمكن الوصول إلى تقدير رقم أخر لحجم البطالة يختلف عن الأرقام السابقة، ويستمد من بيانات حكومية موثقة وذلك من خلال البيانات التي أعلنتها اللجنة العليا للتشغيل برئاسة رئيس الوزراء عند تطبيقها لنظام للتعامل المتقدمين لشغل عدد 170 ألف وظيفة حكومية تم الإعلان عنها عام 2001 فقد بلغ عدد عن يسحب استمارة تشغيل نحو 7 مليون شخص أما من قام بتقديم طلب فعلي لشغل الوظيفة فقد بلغ نحو 4.40 مليون.

وقد أشارت اللجنة الوزارية العليا للتشغيل إلى أن 53.5 % من بين 4.4 مليون تقدموا لشغل الوظائف الحكومية لا تنطبق عليهم الشروط وهذا يعني أن 46.5 % منهم أي نحو 2.05 مليون تنطبق عليهم الشروط وأولها أن يكون عاطلاً عن العمل.

يضاف إلى ذلك أنه لو تأملنا من اعتبرت الحكومة أن الشروط لا تنطبق عليهم سنجد أنهم لا زالوا داخل دائرة من يعتبر عاطل، ولكنهم خرجوا من دائرة المنافسة على 170 ألف فرصة عمل بسبب شروط أخرى للتشغيل، حيث أن 10 % من عدد المتقدمين أي نحو 440 ألف لا تنطبق عليهم الشروط لأنهم بلا مؤهلات كما أنها اعتبرت أن 6.5 % من المتقدمين أي نحو 286 ألفاً لا تنطبق عليهم الشروط لأنهم من خريجي ما قبل 1984.

كما أنها اعتبرت أن 10% من المتقدمين أي 440 ألفاً لا تنطبق عليهم الشروط لأنهم يعملون في أعمال غير دائمة وغير مؤمن عليهم. كما أعلنت اللجنة أن شروط التشغيل لا تنطبق على نحو 15 % من المتقدمين أي نحو 660 ألفاً باعتبارهم من النساء، ممن هن من خريجات النظام التعليمي اللاتي تزوجن ويعشن حياة مستقرة وكأن زواج المرأة واستقرارها يخرجها من قوة العمل، رغم أنهن في سن العمل ويرغبن في العمل وقادرات عليه.

وبناء على البيانات السابقة فإن عدد العاطلين وفقاً لهذا المصدر الحكومي يصبح 3.436 مليون عاطل (أي أكثر من ضعف الرقم الرسمي المعلن للبطالة) وهو عبارة عن 2.05 اعتبرت الحكومة أنهم تنطبق عليهم شروط التشغيل الحكومي ونحو 660 ألف امرأة مؤهلة وقادرة وطلبت العمل وهي في سن النشاط الاقتصادي، ونحو 440 ألف عاطل من غير المؤهلين ونحو 286 ألفاً من العاطلين من خريجي النظام التعليمي قبل عام 1984 أو بعد عام 200.

وبذلك تتضح حقيقة حجم مشكلة البطالة حيث يتوقع أن حجم البطالة الحقيقي لا يقل بأي حال من الأحوال عن 17 % : 20 % من حجم قوة العمل ومما يفاقم من خطورة هذا المعدل المرتفع لنسبة البطالة إلى قوة العمل ما تتسم به كتلة العاطلين في مصر من سمات خاصة هي:

1. أن الشطر الأعظم من كتلة البطالة يتمثل في بطالة الشباب الذين يدخلون سوق العمل لأول مرة فبناء على بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فإنه في عام 1992 كان عدد العاطلين من الشباب ممن تتراوح أعمارهم بين 15، 40 عاماً قد بلغ نحو 1.47 مليون عاطل بما شكل نحو 99% من عدد العاطلين كما تركزت البطالة في الفئة الأكثر شباباً ممن تتراوح أعمارهم بين 15، و30 عاماً، حيث بلغ عدد العاطلين منهم عام 99 نحو 1.31 مليون عاطل بما شكل نحو 88 % من عدد العاطلين في ذلك العام.

2. أن البطالة في مصر هي بطالة متعلمة فالغالبية العظمى من العاطلين من خريجي الجامعات ومدارس ثانوية، ويلاحظ أن نسبة المتعلمين في كتلة المتعطلين أخذه في الازدياد وهو ما يعني إهدار طاقات وموارد استثمارية تم استثمارها في العملية التعليمية دون أن ينتج عنها عائد، يتمثل في تشغيل هذه الطاقة البشرية لتصبح منتجة.

فقد كانت تشكل نحو 76 % من جملة المتعطلين في عام 1986 أما في عام 2001 فإنه وفقاً للبيانات المستخدمة من بيانات اللجنة العليا للتشغيل فإن العدد الإجمالي للمتعطلين بلغ 3.438 مليون عاطل منهم نحو 3 ملايين متعلم مما يعني أن المتعلمين يشكلون نحو 87.3 من عدد المتعطلين.

3. ارتفاع نسبة البطالة بين النساء ففي عام 1988 كانت نسبة البطالة بين النساء في الحضر 22.1 % مقابل 8.4% بالنسبة للبطالة بين الرجال أما في الريف فكانت النسبة أكبر من ذلك حيث بلغت 26.3 % بينما سجلت معدلات البطالة في صفوف الرجال في الريف انخفاضاً عن مثيله في الحضر، فقد بلغ نحو 6.6 %، أما إذا عدنا للبيانات التي أعلنتها اللجنة العليا للتوظيف في المذكرة آنفاً فإننا سوف نجد أن هناك 660 ألف إمرأة متعلمة وفي سن العمل وراغبة في فيه تعاني من البطالة ولا شك أن هذا الرقم عرضة لأن يرتفع بشكل كبير إذا ما أضفنا إليه إجمالي عدد النساء ممن هم في سن العمل وراغبات في العمل ولكنهم لم يتقدمن لشغل الوظائف المعلن عنها لكونهن غير متعلمين، أو لكونهن من خريجي النظام التعليمي قبل 1984 أو بعد عام 2000، وهي على أي حال من العاطلات.

4. اتجاه معدلات البطالة للارتفاع في الحضر بعد أن كانت في فترات سابقة ترتفع بنسبة أكبر في الريف، حيث تشير بيانات تقرير التنمية البشرية 1995 إلى أن معدلات البطالة في الحضر كانت 12.5 % مقابل 9.2 % في الريف، وربما يمكن تفسير ذلك بتزايد معدلات هجرة الأيدي العاملة العاطلة من الريف إلى المدن سعياً وراء فرصة عمل وخصوصاً في القطاعات الهامشية التي تزدهر في المدن، كما يمكن إيجاد تفسير لهذه الزيادة في كون الجزء الأكبر من البطالة هي بطالة متعلمة وهي عادة موجودة بنسبة أكبر في الحضر إلى جانب قدرة قطاع الزراعة وخاصة الزراعة العائلية على استيعاب عمالة إضافية حتى وإن كانت زائدة عن حاجة العمل مما يقلل من نسبة البطالة الظاهرة في الريف مقابل زيادة نسبة البطالة المقنعة.

أسباب مشكلة البطالة:

ترجع أسباب مشكلة البطالة في الجزء الأكبر منها إلى أسباب هيكلية تعود إلى طبيعة نمو الاقتصاد المصري كاقتصاد نامي يعاني من اختلالات هيكلية داخلية وخارجية تتمثل في الاختلال في ميزان المدفوعات والاختلال في الموازنة العامة للدولة، إلى جانب وجود فجوة كبيرة بين كل من الادخار والاستثمار وبالتالي الإنتاج والاستهلاك.

ولاشك أن البحث في أسباب مشكلة البطالة لابد من ربطه بنمط عملية التنمية السائدة فقد شهد الاقتصاد المصري تقلب في أكثر من نمط من أنماط التنمية فمن نمط اقتصاد الحر الرأسمالي قبل ثورة يوليو 52، إلى نمط الاقتصاد الاشتراكي الموجه مع ما صاحبه من التزام الدولة باستيعاب الجزء الأكبر من العمالة في دولار العمل الحكومي بشقيه الإنتاجي والخدمي، حيث أدي ذلك إلى خفض معدلات البطالة في تلك الفترة فرغم ما مر به الاقتصاد المصري في الفترة من 1968 إلى 1973 من صعوبات نتيجة لتوجيه وتعبئة الجزء الأكبر من موارده لصالح الاتفاق العسكري إلى جانب ما صاحبه ذلك من تدهور معدل الاستثمار المحلي إلا أن معدلات البطالة في تلك الفترة كانت تدور حول معدلات منخفضة إذا ما قورنت بالوقت الراهن (2.2 % من حجم قوة العمل) الأمر الذي قد يرجع إلى استيعاب القوات المسلحة لجزء كبير من قوة العمل مع زيادة سنوات الخدمة العسكرية.

ومع بداية تحول الاقتصاد المصري من نمط التنمية المعتمد على الاقتصاد الاشتراكي الموجه إلى تنفيذ ما سمي بسياسات الانفتاح الاقتصادي في النصف الثاني من السبعينيات اتجهت معدلات البطالة نحو الارتفاع النسبي إلا أن هذا الارتفاع ظل في الحدود المقبولة فقد تراوح معدل البطالة بين 2.3 % و5.6 % طوال هذه الفترة حيث مكن زيادة حجم الإنفاق الحكومي في ذلك الوقت ممن إعادة الإعمار وزيادة موارد مصر من النقد الأجنبي سواء كان ذلك من البترول أو تحويلات العاملين بالخارج أو حصيلة السياحة إضافة إلى القروض الضخمة التي حصلت عليها مصر آنذاك، كما ساهم استيعاب أسواق العمالة بالخليج العربي لأعداد كبيرة من العمال والفنيين المصريين في تأجيل انفجار مشكلة البطالة إلى عقدي الثمانينيات والتسعينيات حيث شهدت فترة الثمانينات العديد من العوامل التي أدت إلى تفاقم مشكلة البطالة.

إذ ساهمت مجموعة من العوامل الخارجية في إضعاف معدلات الاستثمار وبالتالي زيادة حجم البطالة من هذه العوامل انخفاض الحصيلة من بيع البترول المصري نتيجة لانخفاض أسعارها إلى جانب قلة حجم الصادرات المصرية الأخرى. يضاف إلى ذلك تفاقم مشكلة ديون مصر الخارجية وزيادة أعباء خدمة الدين مع ما صاحب ذلك من قيود على قدرة مصر على الاقتراض.

كل هذه عوامل وأسباب ساهمت في تفاقم مشكلة البطالة بدءاً من عام 1991 لبرنامج الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي حيث اتخذت مشكلة البطالة أبعاداًً جديدة فما هو أثر تطبيقه برنامج الإصلاح الاقتصادي على مشكلة البطالة.

ويترتب على الاعتراف بتنوع صنوف البطالة تفهّم أن للبطالة أو نقص التشغيل، فى سياق الاقتصاد الكلى للبلدان النامية، آثاراً وخيمة على الرفاه البشرى. فانتشار البطالة يحرم المتعطلين من الكسب، مصدر العيش الأساسى لسواد الناس فى هذه البلدان. واستشراء البطالة المستترة) يضغط على الأجور، وهى متدنية أصلاً، ويُقلل من قدرتها على اللحاق بمتصاعد الغلاء. وحيث يشتد وقع البطالة على القطاعات الأضعف من المجتمع، الفقراء والنساء، تُساعد البطالة على زيادة التشرذم الاجتماعى.

وفى منظور إمكان التنمية لابد وأن يؤدى اشتداد نقص التشغيل إلى تفاقم قصور الإنتاج عن إشباع الحاجات الإنسانية، معمقاً بذلك الاعتماد على العالم الخارجى، فى الوفاء بهذه الحاجات، ومُزيداً من اللجوء إلى القروض والمعونات، لتمويل شراء هذه الحاجات، مما يُعيد إنتاج التبعية لمراكز الاقتصاد العالمى، فقط على درك أدنى من العجز، وغياب القدرة على التنافس فى المعترك الاقتصادى الدولى. وتكون المحصلة هى استفحال مشكلة التخلف فى حلقة شريرة يتعين العمل على كسرها.

مفهوم "التشغيل الكامل"

التشغيل الكامل هو نقيض البطالة، بالمفهوم الواسع. ولذلك فإن هدف مكافحة البطالة فى بلد نام كمصر يتعين أن يكون بناء البنية الاقتصادية والمؤسسية الهادفة لتحقيق التشغيل الكامل.

وعلى وجه التحديد، يعنى التشغيل الكامل، توافر "عمل جيد" لكل من يطلب عملاً. عمل منتج، يوظف الفرد فيه قدرته وإمكاناته، ويحقق فيه ذاته، وتتوافر له فيه فرص النمو والتطور، تحت ظروف تتسق والكرامة الإنسانية، ويكسب منه ما يكفى لتفادى الفقر والمهانة.

فى هذا المنظور، يتضح أن البطالة صنو للفقر، حينما يعرف الفقر حسب تعريف برنامج الأمم المتحدة الإنمائى- بمعنى قصور القدرة الإنسانية عن الوفاء بأحقيات البشر فى حياة كريمة، والذى يرى فى الضعف الاجتماعى أو قلة الحيلة مسبب أساسى للفقر. حيث تعد القدرة على العمل رأس المال الوحيد، أو الأهم، للغالبية الساحقة من الفقراء. ورغم أن أفقر الفقراء لا يطيقون ترف البطالة السافرة، حيث يتعين عليهم التعلق بعمل ما من أجل البقاء، فإن مستوى الرفاه الناتج عن نوع الأعمال التى يقومون بها، أو ظروف العمل، تكون من التدنى بحيث لا يمكن وصفها بأنها أعمال "جيدة"، وتندرج، من ثم، تحت صنف أو آخر من صنوف البطالة.

وبناء على ذلك، يصبح خلق فرص العمل المنتجة، والمكسبة، فى المجتمعات التى ينتشر فيها الفقر وتتفاقم البطالة وتضعف شبكات الحماية الاجتماعية، أهم سبل مكافحة الفقر، والتخلف بوجه عام.

أزمة البيانات

للأسف، يزداد قيد فقر البيانات عن التشغيل والبطالة بوجه خاص، إحكاماً فى مصر. ففى محاولة سابقة لتقدير موقف البطالة فى مصر، فى منتصف التسعينيات، كانت قاعدة البيانات المتاحة تشمل، بالإضافة إلى بيانات تعداد السكان، بيانات مسح قوة العمل بالعينة. أما الآن فتقتصر مصادر البيانات المتاحة على تعداد السكان الذى يجرى مرة كل عشر سنوات (تعود آخر بيانات متاحة من مسح قوة العمل بالعينة إلى عام 1995[1]). وبالمقارنة بالتعداد، يتسم مسح قوة العمل بالعينة بثلاث ميزات، الأولى أنه يجرى على دورية أقصر كثيراً من التعداد- مرة كل سنة منذ عام 1957 وكان يجرى لعدة سنوات مرة كل ثلاثة شهور، كما يجب عند الرغبة فى متابعة ظاهرة مهمة تتغير بسرعة. والميزة الثانية هى تخصص المسح فى أمور التشغيل والبطالة، مما يعنى توافر بعض الخصائص التفصيلية التى لا يتطرق إليها التعداد- مثل مدة التعطل. أما الميزة الثالثة للمسح، فتتمثل فى أن مسوح العينة يمكن، خاصة فى ظروف بلد كمصر، أن ينتج عنها بيانات أدق من عمليات الحصر الكامل الضخمة – وهناك فعلاً مؤشرات على قلة دقة التعداد الأخير (انظر مثلاً فى نسبة النوع المترتبة على بيانات التعداد).

وعلى هذا، تقتصر قاعدة البيانات الرسمية المتاحة لنا الآن لتقييم موقف البطالة فى مصر على نتائج تعداد السكان وبقايا مسح قوة العمل بالعينة.

وعلى الرغم من قيمته، فإن مسح قوة العمل بالعينة كان يعانى من نقائص متعددة يهمنا منها هنا أنه كان يميل للتقليل من مدى مساهمة النساء والأطفال وكبار السن فى النشاط الاقتصادى، ويقلل من تقدير مستوى البطالة السافرة (خاصة بسبب استبعاد ما يسمى البطالة اليائسة من البطالة- نتيجة لاشتراط البحث "الجاد" عن عمل خلال الفترة المرجعية للمسح). وقد قدرنا (1995) أن تصحيح آثار هذه العيوب يؤدى لزيادة معدل البطالة بما يوازى 2-4 نقطة مئوية فى مطلع التسعينيات.

والجدير بالذكر أن التعداد يعانى من النقائص نفسها المذكورة أعلاه. بمعنى أنه يُتوقع أيضاً أن يقلل التعداد من مستوى البطالة السافرة. وإضافة، كما أشرنا قبلاً، يُنتظر أن يعانى التعداد من مستوى أعلى من قلة الكفاءة، ومن ثم، أخطاء القياس، بالمقارنة بمسح صغير الحجم نسبياً. إلا أنه، بفرض تساوى مستوى الكفاءة، فإن التعداد يتوقع أن يؤدى، لسبب فنى (الفترة المرجعية للتعداد أقصر)، لمعدل بطالة أعلى من مسح قوة العمل بالعينة، ويظهر هذا الفارق فى شكل (1) فى غالبية الفترة الزمنية التى توافر فيها المصدران.

وزيادة على كل ما سبق، وبالتعارض مع التوصيات الدولية، وبالتنافى مع واقع سوق العمل المصرى، فإن تعداد 1996 ينهى تقليداً قديماً فى التعدادات المصرية، بقصر قياس المشاركة فى النشاط الاقتصادى والبطالة على الأفراد البالغين من العمر خمسة عشر عاماً فأكثر. فحتى تعداد 1986، كان الحد الأدنى لسن العمل ست سنوات (يلاحظ أنه، حكماً ببيانات تعداد 1986، يؤدى رفع الحد الأدنى لسن العمل إلى رفع معدل البطالة السافرة).

وحالة البيانات عن صنوف البطالة غير السافرة حتى أسوأ مما سبق وصفه. ويصل فقر البيانات أشده فى حالة البطالة المستترة، فبيانات الكسب والإنتاجية غاية فى الضعف.

ولا ريب فى أنه يصعب القول بجدية وجود أولوية مرتفعة لمواجهة البطالة فى الوقت الذى تتردى فيه قاعدة البيانات عن الموضوع.

وفقاً للتعداد الأخير: البطالة (السافرة) انخفضت، لغير ما سبب ظاهر!

فى حدود البيانات الرسمية المتاحة إذاً، يتعين أن تقتصر دراسة البطالة السافرة فى مصر على النتائج "النهائية" لتعداد 1996، التى نشرت مؤخراً. وقبل نشرها، طلب من الجميع عدم اعتبار مقاييس البطالة المستقاة من المسوح بالعينة، وكانت آخر بيانات من هذا النوع متاحة هى تلك الناتجة عن مسح قوة العمل بالعينة عن عام 1995، وأن على الجميع انتظار نتائج تعداد السكان. ولكن النتائج "الأولية" للتعداد نشرت دون أن تتضمن أية بيانات عن البطالة، الأمر الذى تم تصحيحه فى النتائج "النهائية" بنشر جداول عن الحالة العملية للأفراد البالغين من العمر 15 عاماً فأكثر.

فى هذا المدى العمرى المختصر، يبدو أن البطالة السافرة قد انخفضت بدرجة واضحة بين التعدادين الأخيرين (1986 و 1996) من أكثر من 12% إلى أقل من 9% (الرقم الأخير أعلى قليلاً من ذلك الذى كان قد أعلنه رئيس الوزراء السابق (8.2%) قبل نشر النتائج "النهائية" بعدة شهور، مفتخراً بأنه أقل من معدل البطالة فى الاتحاد الأوروبى.

بل إن بيانات التعداد تقول بأن حتى عدد المتعطلين قد انخفض فى الفترة ما بين التعدادين (من 1.57 مليون إلى 1.54 مليون).

ويصعب تصديق مقاييس البطالة هذه فى ضوء الاتجاه العام للبطالة الموثق من مسح قوة العمل بالعينة ومؤشرات الأداء الاقتصادى العام فى الفترة بين التعدادين الأخيرين (1986-1996).

فكما يتبين من شكل (1)، كانت معدلات البطالة السافرة من مسح قوة العمل بالعينة فى تصاعد مطرد حتى عام 1995 حتى قاربت 11% فى منتصف التسعينيات (ولنتذكر أن معدل البطالة من التعداد ينتظر أن يكون أعلى من مسح قوة العمل بالعينة). ويمكن، من شكل (1)، ملاحظة أن القيمة الاتجاهية لمعدل البطالة من التعدادات تمتد إلى مدى معدل البطالة المصحح لمسح قوة العمل بالعينة فى منتصف التسعينيات، حول 14-15%[2]. هذا على حين يكسر معدل البطالة المنشور من تعداد 1996، بحدة، النمط التاريخى لمعدلات التعدادات، دون تعضيد من مؤشرات الأداء الاقتصادى العام.

فعلى سبيل المثال كان متوسط معدل نمو الناتج الإجمالى للفرد فى الفترة (1986-1996) بطيئاً- فى الواقع سالباً لبضع سنوات- حتى أنه كان أقل كثيراً من متوسط معدل النمو فى الفترة ما بين التعدادين السابقة (1976-1986) التى كان معدل البطالة فيها فى صعود مطرد، وفقاً لكلا التعداد ومسح قوة العمل بالعينة، شكل الغلاف. ويلاحظ أن اعتماد معدل البطالة المصحح لمسح قوة العمل بالعينة، يقلل من مصداقية المعدل الناتج من تعداد 1996 كثيراً.

وبالإضافة إلى النمط العام لنمو الناتج الإجمالى للفرد، تتوافر مؤشرات على أن النمو فى الناتج يتركز، باطراد، فى أنشطة الخدمات الهامشية قليلة الإنتاجية.

وهناك أيضاً مؤشرات على أن نمو الناتج المسجل فى فترة ما بين التعدادين الأخيرين قد رافقه زيادة فى الفقر وتفاقم سوء توزيع الدخل والثروة، ومن ثم، القوة فى المجتمع.

فى منظور الرفاه الإنسانى، يمثل ترافق البطالة على نطاق واسع، وانتشار الفقر، مع اختلال توزيع الدخل والثروة المحاور الرئيسية لمشكلة التشغيل فى مصر.

وفوق كل ما سبق فإن نمو الناتج فى مصر شديد الكثافة الرأسمالية، التى ما فتئت ترتفع. فقد كانت نسبة رأس المال للناتج فى تزايد منذ مطلع السبعينيات وقفزت لمستويات بالغة الارتفاع فى التسعينيات.

وليست تشكيلة خصائص الأداء الاقتصادى الموصوفة أعلاه متوافقة مع خلق فرص عمل على نطاق واسع.

وفى واقع الأمر، ينتهى تحليل لبيانات مسح قوة العمل بالعينة فى الفترة (1990-1995)، أى خمس من السنوات العشر ما بين التعدادين الأخيرين، إلى أن عدد فرص العمل التى أضيفت إلى الاقتصاد كله فى هذه الفترة تتعدى 700 ألف بقليل. ويستدل من هذا التحليل على أنه "بالمقارنة برصيد البطالة السافرة، وحجم الإضافات الجديدة لسوق العمل، فلابد أن البطالة كانت فى ازدياد". بعبارة أخرى، يعنى قبول مستوى البطالة من تعداد 1996 بقاء رصيد المتعطلين على مستوى عام 1986 تقريباً، أى أنه قد تم خلق أكثر من أربعة ملايين فرصة عمل فى الفترة ما بين التعدادين لتشغيل كل الداخلين الجدد فى سوق العمل فى السنوات العشر- أى ما يوازى ثلاثة أضعاف معدل خلق فرص العمل المقدر الموثق للنصف الأول من التسعينيات.

والمؤكد أن حجم الاستثمار، ونمو الناتج الإجمالى، اللازمين لخلق فرص العمل المطلوبة لصحة بيانات تعداد 1996، على مستوى الكثافة الرأسمالية لخلق فرص العمل، ومرونة العمالة للناتج، المشاهدة فى التسعينيات، يتعدى قدرة الاقتصاد المصرى بمراحل.

ويدل التوزيع القطاعى لخلق فرص العمل فى النصف الأول من التسعينيات، إضافة، على أن الآمال المعقودة على القطاع الخاص الكبير فى خلق فرص عمل على نطاق واسع غير مبررة (يقدر أن أكثر القطاعات المؤسسية خلقاً لفرص العمل كانت هى الحكومة والقطاع غير المنظم، ببنما يقدر أن القطاع الخاص الكبير قد خسر فرص عمل فى النصف الأول من التسعينيات).

ويتعين ملاحظة أن تحدى خلق فرص العمل سيزداد قوة فى المستقبل حيث يُنتظر أن يزيد عدد الداخلين الجدد إلى سوق العمل بمعدل 2-3% سنوياً.

وتجدر الإشارة، نهاية، إلى أن انتشار البطالة السافرة، فى سياق تأزم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، يضفى على البطالة طابعاً قاتماً، من حيث أنها تصيب أساساً الشباب، وكثرة منهم من خريجى النظام التعليمى، والفئات الاجتماعية الأضعف فى أوضاع تتسم بانخفاض مستوى الرفاه الإنسانى وضعف شبكات الحماية الاجتماعية، بما فى ذلك تعويضات البطالة، وتفاقم سوء توزيع الدخل والثروة.

أما عن الجوانب الأخرى للبطالة، فتوجد مؤشرات عامة على تردى الكسب الحقيقى (باستبعاد أثر التضخم) وعلى نمو الناتج للعامل، كمؤشر إجمالى على الإنتاجية، ببطىء منذ عام 1980 (حسب بيانات البنك الدولى، بمتوسط 3-4% فى السنة فقط).

الخصائص الأساسية للبطالة السافرة

نكتفى هنا بالإشارة إلى بعض خصائص أساسية للبطالة السافرة تتمخض عنها مقارنة خصائص المتعطلين من التعدادين الأخيرين فى الفئة العمرية (15 عاماً فأكثر).

يستمد من تعداد 1996 أن كل المتعطلين تقريباً (95%) قد أصبحوا من الباحثين عن عمل لأول مرة، صعوداً من 77% فقط فى عام 1986.

وحسب بيانات التعداد، فإن معدل البطالة السافرة كان فى 1996 أعلى قليلاً فى الريف عن الحضر، على حين كانت غالبية المتعطلين من قاطنى الريف. وبينما كان حوالى ثلث المتعطلين من الإناث، فقد كان معدل البطالة بينهن أعلى كثيراً من الذكور.

وفيما يتصل بالتوزيع الجغرافى للبطالة، فقد ظهرت أقل معدلات البطالة فى تعداد 1996 فى محافظات الحدود، خفيفة السكان، وفى إقليم القاهرة الكبرى بينما سُجلت أعلى المعدلات فى محافظات الدلتا وأقصى جنوب البلاد.

ومن الملحوظات المهمة أن معدلات البطالة حسب العمر قد اختلفت بين تعدادي 1986

و 1996 بحيث انخفضت معدلات البطالة قبل بلوغ 30 عاماً، وارتفعت فى الثلاثينيات من العمر. وحيث كان كل المتعطلين تقريباً من الباحثين عن عمل لأول مرة، يمكن تفسير هذا الاختلاف بزيادة طول مدة التعطل فيما بين التعدادين (وهى معلومة كانت متاحة مباشرة من مسح قوة العمل بالعينة فى السابق) بمعنى أن رصيد المتعطلين قد أصبح فى عام 1996 يتكون من دفعات أقدم من المتعطلين الذين مازالوا يبحثون عن عمل لأول مرة.

ورغم انخفاض معدلات البطالة لخريجى النظام التعليمى بين تعدادي 1986 و 1996، فمازالت معدلات البطالة الأعلى من نصيب هؤلاء، على المستويين المتوسط والعالى.

موقف الحكومة

لقد تم الإعلان، مرة أخرى، عن أن مكافحة البطالة ستلقى أولوية على جدول أعمال الحكومة وتجدر التذكرة بأن إعلانات مماثلة، سابقة، قد شهدت مشكلة البطالة، خاصة فى منظور التشغيل الكامل، تستفحل.

غير أن الأخبار الواردة من مجلس الوزراء توحى بمحاولة أخذ أولوية مكافحة البطالة جدياً، هذه المرة. وكخطوة أولى فى هذا الاتجاه، أعلنت الحكومة أنها ستخلق 150 ألف فرصة عمل فى الوزارات: فى التعليم والصحة والأوقاف. وإذا قبلنا عدد المتعطلين من تعداد 1996، فإن "حل" مشكلة البطالة، على هذا النحو، لن يستغرق أكثر من عشر سنوات. هذا إن أمكن تكرار المواءمة المالية التى اقتضاها الإعلان عن هذه الشريحة الأولى من الوظائف الحكومية الجديدة.

ولكن، حتى بصرف النظر عن قضايا البطالة المستترة فى الخدمة الحكومية، وهى من جوانب البطالة الأخطر كما أوضحنا أعلاه، يبقى التساؤل عن ما إذا كانت هذه الوظائف الحكومية الجديدة ستعتبر "أعمالاً جيدة" بما يكفى لترغيب الباحثين عن عمل فى الالتحاق بها (فى العام الماضى عينت وزارة التربية والتعليم 50 ألفاً من الخريجين فى وظائف تعليمية، ولكن يتكرر أن أكثر من نصف المعينين لم يقبلوا الالتحاق بالوظائف).

غير أن الحكومة قد صعّدت حملة مكافحة البطالة بالإعلان عن مبادرة أخرى تتضمن إضافة حوالى نصف مليون فرصة عمل إضافية إلى المائة والخمسين ألفاً التى سبق الإعلان عنها.

من هذه الشريحة الجديدة، أعطيت مسؤولية خلق 200 ألف فرصة عمل، فى القطاع الخاص، لمكاتب التشغيل التابعة لوزارة العمل- وهى مسؤولية كانت دائماً من صميم اختصاص هذه المكاتب، وليس واضحاً ما هو الجديد الذى سيمكن مكاتب التشغيل من الوفاء بهذه المهمة الآن.

كذلك أوكلت مهمة خلق 200 ألف فرصة عمل أخرى للصندوق الاجتماعى للتنمية، باستخدام "تمويل متاح فعلاً يبلغ 1.2 مليار جنيه" (الأمر الذى قد يعنى، لأول وهلة، افتراض متوسط تكلفة لفرصة العمل يوازى ستة آلاف جنيه مصرى، وهى ليست إلا جزءاً يسيراً من تكلفة خلق فرصة العمل فى عموم الاقتصاد المصرى، كما سبقت الإشارة). وبالإضافة، فإن برنامج "شروق" للتنمية الريفية، متواضع التأثير، خصص له أن يخلق 33 ألف فرصة عمل. على أن يخلق باقى فرص العمل المعلن عنها من خلال عدد من المبادرات الأخرى (تشمل التدريب على تقانات الاتصال والمعلومات، ومشاتل الأشجار، وجمع القمامة وإصحاح البيئة).

وبالمقارنة بشريحة المائة والخمسين ألفاً من فرص العمل فى الحكومة، فإن النصف مليون فرصة عمل الجديدة تبدو أقل قابلية للتحقق، ويبقى مثاراً بشأنها أيضاً مسائل مستوى البطالة المستترة (خاصة بُعدي الإنتاجية والكسب) المترتبة عليها، ومن ثم، مدى تحقيقها لمنفعة الاقتصاد المصرى ككل، ومن سيقبل على فرص العمل التى سيتم خلقها فعلاً من المتعطلين؟

حزمة سياسات متكاملة لمكافحة البطالة

من السهولة بمكان انتقاد موقف الحكومة فى مصر، وإنجازها، فى مكافحة البطالة، فسجل الإنجاز، على الأقل حتى الآن، غير مشجع. وعلى الرغم من فقر البيانات، تدل المؤشرات المتاحة على أن المشكلة تستفحل.

ولكن، من ناحية أخرى، يجب أن يكون جلياً للجميع أن مشكلة البطالة فى مصر ضخمة، وعميقة الجذور فى النسيج الاقتصادى والاجتماعى للبلد بحيث تستعصى على "الحلول السريعة" ذات الطابع "الفنى". بعبارة أخرى، لن يمكن التوصل لحل ناجع لمشكلة البطالة فى مصر، خاصة فى منظور التشغيل الكامل، إلا من خلال برنامج استراتيجى، متعدد الأبعاد، ومحكمها، طويل الأجل تقوم عليه دولة (وليس مجرد حكومة) فعالة. ولعل هذا هو حال جميع المشكلات الكبرى التى تواجهها مصر الآن، وكلها متفاعلة كما سيظهر من حزمة السياسات المقترحة، فلم يعد رتق الفتوق أو الحلول الجزئية المتناثرة بكاف لتحقيق أثر ملموس على المشكلات الكبار. ولذلك قد يدهش البعض أن تنتهى هذه الورقة الموجزة بحزمة من السياسات المقترحة تتعدى بكثير حدود التفكير "الفنى" فى حلول مشكلة مثل البطالة فى مصر.

بداية، يقوم علاج مختلف صنوف البطالة على إيجاد فرص عمل كافية، يوظف فيها العاملون قدراتهم لأقصى حد، بما يحقق كفاءة إنتاجية عالية، ومتزايدة، من ناحية، ويوفر كسباً مرتفعاً، ومتنامياً، يكفل إشباع الحاجات الأساسية للناس فى المجتمع، وارتقاء مستوى الرفاه البشرى مع الزمن، من ناحية أخرى.

ويعنى هذا الهدف المركب خلق فرص عمل أفضل من المتاح حالياً، على جانبي الإنتاجية والكسب على حد سواء، وأكثر بكثير من المطلوب لمجرد مواجهة البطالة السافرة، بحيث يمكن للمشتغلين فعلاً فى أى نقطة زمنية الانتقال لأعمال أعلى إنتاجية وأوفر كسباً.

ومن جانب آخر يتعين الارتقاء بنوعية رأس المال البشرى، من خلال الاستثمار المكثف فى التعليم والتدريب المستمرين وفى الرعاية الصحية، مع إيلاء عناية خاصة للمستضعفين، الفقراء والنساء، حتى يتأهل الأفراد فى سوق العمل لفرص العمل الأفضل. وهذه مهمة تاريخية ليس لها إلا الدولة، وعلى حد وفائها بهذه المهمة سيتحدد مدى خدمتها لغاية التقدم.

وحيث لا يُتوقع أن يتمكن رأس المال الكبير، من خلق فرص العمل الكافية لمواجهة تحدى البطالة، نظراً لتركيزه على الأنشطة الاقتصادية كثيفة رأس المال وخفيفة العمالة، فيتعين توفير البنية المؤسسية المواتية لقيام المشروعات الصغيرة بدور مهم فى خلق فرص العمل، مع تخليق تضافر فعال بين المشروعات الصغيرة وقطاع الأعمال الحديث. ويطلب تحقيق ذلك الهدف، تمكين عموم الناس، خاصة الفقراء، من الأصول الإنتاجية بالإضافة إلى رأس المال البشرى. ويأتى على رأس القائمة الائتمان، بشروط ميسرة، والأرض والماء فى المناطق الريفية حيث يعيش كثرة الفقراء. كذلك يتعين أن توفر البيئة القانونية والإدارية لتسهيل قيام المشروعات الصغيرة ورعايتها، حيث تتسم هذه المشروعات بالضعف وارتفاع احتمال الفشل. ويمثل ذلك التوجه، إن قام، تحولاً جذرياً فى بيئة الاستثمار الحالية التى توفر الحوافز، كل الحوافز، لرأس المال الكبير، بينما تترك المستثمر الصغير، قليل الحيلة بالتعريف، يرزح تحت ثقل أقسى العوائق التمويلية والإدارية والتسويقية. وعلى وجه الخصوص، تعمل السياسات الحالية على زيادة تركيز حيازة الأرض الزراعية بما ينذر باستشراء الفقر فى الريف.

وقد تتطلب مكافحة البطالة، خاصة فى البداية، توفير فرص عمل من خلال الإنفاق الحكومى على مشروعات البنية الأساسية، مما يحقق غرضاً مزدوجاً: تشغيل مكسب للفقراء وتحسين البنية الأساسية، وهى بحاجة لتطوير ضخم.

ويتضح من التوجهات الموصى بها ضخامة العبء الملقى على الدولة، ولن يقوم به طرف آخر، مما يثير مفارقة قوية بين الحد من دور الدولة فى سياق إعادة الهيكلة الرأسمالية، فى إطار سياسات التكيف الهيكلى، من ناحية، وبين مهام الدولة فى حفز التنمية، المولدة لفرص العمل الكافية لمكافحة فعالة للفقر، من ناحية أخرى.

وفى النهاية، فإن بلوغ التوجهات الاستراتيجية السابقة غاياتها فى مكافحة البطالة يتطلب تغييرات مؤسسية بعيدة المدى فى البنية الاقتصادية والسياسة تشمل زيادة كفاءة سوق العمل فى سياق تدعيم تنافسية الأسواق عامة وضبط نشاطها، فى إطار من سيادة القانون التامة واستقلال للقضاء غير منقوص، وإصلاح الخدمة الحكومية، وإقامة نظم فعالة للأمان الاجتماعى، وإصلاح نظم الحكم لتصبح معبرة عن الناس بشفافية ومسؤولة أمامهم بفعالية، ولتمكن من تقوية مؤسسات المجتمع المدنى الجماهيرية بحق، حتى يصبح لعموم الناس، وللفقراء خاصة، صوت مسموع فى الشأن العام.

مكافحة البطالة إذاً، كما ألمحنا سابقاً، ليست شأناً قطاعياً، بل هم مجتمعى شامل. والواقع أن هذا هو حال كل القضايا المهمة فى مصر حالياً. فقد صار الحل الجذرى الشامل حتمياً، إن أُريد حل ناجع على الإطلاق.

وبديهى أن مكافحة البطالة تقتضى رفع وتيرة النمو الاقتصادى. ويطلب ذلك، بدايةً، زيادة معدلات الادخار والاستثمار. فالادخار المحلى ضعيف بداية، فى مجتمعات مازالت غالبية سكانها عاجزة عن الوفاء بحاجاتها الأساسية على مستوى مقبول، على حين ينعم مترفوها، وهم قلة قليلة، بأنماط استهلاك بذخية دونما مسؤولية اجتماعية. ومكون الاستثمار الأجنبى لا يتوافر، حتى الآن، بالقدر الكافى ليكمل الاستثمار المحلى إلى المستوى الكفيل، تلقائياً، بخلق فرص العمل الكافية، ناهيك عن المحاذير القوية المحيطة بكم كبير من الاستثمارات الأجنبية، فى مجتمعات ذات بنى سياسية هشة وتابعة.

وإن كان مستوى النمو الاقتصادى محدد مهم لإمكان خلق فرص العمل المطلوبة لمكافحة البطالة، فإن محتوى النمو هو المحدد الأهم فى منظور إشباع الحاجات الأساسية، وعلى رأسها العمل المنتج المحقق للذات.

ويتصل بهذا مسألة نمط التقانة، خاصة من وجهة نظر كثافة العمل. فالتشغيل المنتج غاية مجتمعية تبز مجرد النمو الاقتصادى، مقاساً فى إطار الحسابات القومية، القاصر عن استيعاب مضمون الرفاه الإنسانى. وهنا تجب الإشارة إلى فساد القول بأن كثافة العمل تعنى، حتماً، تخلف التقانة أو ضعف الإنتاجية. هذا تحيز غربى نابع من التبعية التقانية. ولكن، إن قامت قدرة ذاتية فى التقانة، فسيمكن إبداع حلول تقانية متطورة تلائم الظروف المحلية، ومن بينها كثافة العمل المناسبة. غير أن اعتماد تقانات كثيفة العمل فى فترة معينة لا يعنى، بالطبع، إهمال التقانات المتطورة. بل يتعين المزاوجة الخلاقة بين هذين النمطين من التقانة. هذا من جانب.

ومن جانب آخر، فإن توجيه العمل المتاح إلى نشاطات اقتصادية كثيفة العمل فى ظروف بطالة واسعة النطاق، جلها من الشباب، وجانب كبير منها من المؤهلين تعليمياً، وإن كان فى تخصصات غير متوائمة مع احتياجات سوق العمل وعلى مستوى نوعية منخفض، وفى مناخ اجتماعى يحقر العمل اليدوى، كل ذلك يقتضى تحوير نسق الحوافز المادية والمعنوية فى المجتمع لتوجيه المتعطلين نحو فرص العمل المنتج التى تحتل حالياً مكانة اجتماعية متدنية، مما يساعد على رفع قيمة العمل عامة، والعمل اليدوى خاصة. وقد يقتضى الأمر إنشاء نظام فعّال للتدريب التعويضى لتأهيل المتعطلين لفرص العمل التى لا تتناسب متطلباتها مع قدراتهم الراهنة. إلا أن التدريب التعويضى لا يجب أن يصبح سمة هيكلية دائمة. بل ينبغى أن يخطط نظام التعليم والتدريب وفق احتياجات العمالة المتوقعة مستقبلاً فى ضوء استراتيجية التشغيل المتبناة.

هذا عن البطالة السافرة، ونقص التشغيل الظاهر، فماذا عن نقص التشغيل المستتر؟

نقص التشغيل المستتر هو أكثر مشاكل البطالة تعقيداً. وهو فى الوقت نفسه أوفر هذه المشاكل خطورة، خاصة شقه المتصل بتدنى الإنتاجية، فى بلدان تعانى من ضعف طاقاتها الإنتاجية. ولا نغالى إن قلنا أن رفع الإنتاجية يمثل المحور الأساسى لعملية التنمية. ويقوم الحد من نقص التشغيل المستتر على زيادة توظيف قدرات المشتغلين، ورفع الإنتاجية، وزيادة قدرة الكسب على الوفاء بالحاجات.

وترجع قلة توظيف قدرات المشتغلين إلى عدم تواءم العمل الذى يقوم به الفرد مع قدراته. ويعود ذلك، فى الأساس، إلى الاختلال بين نظام التعليم والتدريب من جانب واحتياجات العمالة من جانب آخر. ولذلك، فإن الحل النهائى لهذه المشكلة يقوم على إعادة الاتساق بين نظام التعليم والتدريب والاحتياجات المستقبلية من العمالة، عن طريق تخطيط سليم للقوى العاملة فى المجتمع.

أما فى الأجل القصير، فينبغى اعتماد وسيلتين. تتمثل الأولى فى إعادة التوازن بين القدرات واحتياجات العمل عن طريق نقل عاملين من مجالات عملهم الحالية إلى مجالات عمل يتمكنون فيها من توظيف قدراتهم بشكل أفضل. والثانية هى التدريب التعويضى لتمكين المشتغلين من القيام بأعمالهم الراهنة على وجه أحسن، إن لم يمكن إيجاد فرص العمل المناسبة لهم مباشرة. ويلاحظ أن التقدم فى مجال رفع مستوى توظيف القدرات يصب مباشرة فى رفع الإنتاجية.

ويشكل رفع إنتاجية العمل، بصورة مطردة، التحدى الرئيسى للبلدان المتخلفة، ويطلب جهداً مجتمعياً متكاملاً فى مجالات عديدة، بدءاً من نظام التعليم والتدريب، مروراً بهيكل وطبيعة التشغيل، وانتهاء بنسق الحوافز المجتمعى.

ففى مجال التعليم والتدريب، لابد من القضاء على الأمية، على مستوى مرتفع من القدرات، ونشر التعليم الأساسى، وترقية نوعية التعليم فى جميع مراحله، والاقتصار على الأعداد المطلوبة للوفاء بحاجة النشاط الاجتماعى المستقبلى من العمالة فقط فى مراحل التعليم بعد الأساسى، والتركيز على التعليم الفنى، المتوسط والعالى اللازمان، واعتماد نظم الامتياز فى مراحل التعليم كافة لتشجيع التميز والإبداع. ولا نغالى إن قلنا أن تحدى ترقية نوعية التعليم هو التحدى الأكبر بعد إصلاح نظم الحكم والإدارة.

وفى مجال التشغيل، يتعين إقامة آليات كفء للمواءمة بين فرص العمل المتاحة وطالبى العمل. ومن الجوهرى إنهاء التوظف الآمن بغض النظر عن الإنتاج ومستوى الإنتاجية، وإرساء التعيين والترقى والاستمرار فى العمل على أساس الجدارة والإنتاجية، طبقاً لنظم تقييم موضوعية ومعلنة، خاصةً فى الحكومة. ولابد من تحديد العائد المادى والأدبى للعمل على أساس الجهد اللازم للتأهل له، والأعباء التى ينطوى عليها القيام به، ومدى الحاجة المجتمعية له، وقدرة العاملين على الوفاء بحاجاتهم الاجتماعية.

ويمكن رفع كسب الأغلبية إلى مستوى يقارب الوفاء بحاجاتهم الأساسية أو تمكينهم من الوفاء بحاجاتهم على مستوى أكثر قبولاً عن طريق عديد من الوسائل، مثل تصحيح النظام الضريبى كى يصبح أوفر عدالة، وتبنى الدولة مسؤولية إشباع الحاجات الأساسية على وجه مرض. والمؤكد أن رفع الإنتاجية سيجعل من مسألة ضمان وفاء الكسب بالحاجات أكثر يسراً.

لكن ينبغى أن يكون واضحاً أن كل هذه الوسائل لن تحقق الغرض منها بدون تعديل جوهرى فى نسق الحوافز المجتمعى. فلن يمكن إرساء قاعدة الجدارة فى العمل ما دامت الوساطة والمحسوبية متفشيتين فى المجتمع. ولن يتأتى توجيه الأفراد إلى الأعمال التى يحتاجها المجتمع إذا ما كانت هناك فرص، ولو محدودة، للتراكم المالى السريع فى غياب أنظمة ضريبة عادلة وفى مجتمع يعين مكانة الفرد الاجتماعية، والسياسية، على أساس ممتلكاته المادية.

ونختتم بملاحظة أن الوسائل التى تطرقنا إليها فى علاج صنوف البطالة، خاصة نقص التشغيل المستتر، تتضافر لتكوّن حزمة مترابطة من السياسات تمتد فى الواقع إلى نواح عديدة ومتشابكة من نسق الاقتصاد السياسى، ومن بينها التعليم، راقى النوعية، مما يؤكد على شرط التشكيلة الاجتماعية المواتية للفعل التنموى عامة. ولعل فى غياب هذه التشكيلة السبب الجوهرى لتفاقم مشكلات التشغيل، ولصعوبة حلها فى السياق الاجتماعى السياسى الراهن.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More