Advertisement

القطرات الاخیرة




كأن الأمر كذلك: عندما قامت ثورة 1919 امتدت ید الزمن العملاقة تعتصر ضرع مصر الحلوب، ولسنوات عدیدة
سالت منھ بسخاء قطرات مثل العقاد وطھ حسین ونجیب محفوظ – الطبیب والأدیب كلیھما – وسید درویش وأم
كلثوم وعبد الوھاب .. الخ .. الزمن یمضي وقد مر نحو القرن، وھاھي ذي القطرات الأخیرة تتدفق من الضرع قبل
أن یجف: ھیكل .. صلاح جاھین .. بیكار ..جلال أمین ... لا ندري كم من الوقت یجب أن یمضي قبل أن یمتلأ
الضرع بالخیر ثانیة، لكني أعرف جیدًا أن إسماعیل دیاب كان بین تلك القطرات الأخیرة..
وصوت إحدى سیمفونیات بیتھوفن ینبعث من جھاز الھاي فاي – من بین أشیاء نادرة امتلكھا في حیاتھ – وأمامھ
فنجان القھوة، كانت تعن لھ فكرة ساخرة فیضحك، ویمتزج الضحك بشخشخة السعال في صدره الذي أرھقھ التدخین
.. ھناك في تلك الشقة الصغیرة – التي لا یملكھا - في میدان الجیش كان یغمس فرشاتھ باللون وبضربات محكمة
خبیر یولد على الورق غلاف جدید .. غلاف تشم فیھ رائحة روایة لتولستوي أو دستویفسكي أو بلزاك .. وبشكل ما
كنت أشعر أنھ ینتمي لذلك العالم وانھ كان صدیقًا شخصیًا لجوركي ودیكنز وموباسان .. كان یتذوق الأدب كأفضل
نقاده وكانت ثقافتھ موسوعیة..
أرمق الصورة المعلقة على الجدار خلفھ وأتساءل عن معناھا .. صورة زیتیة لرجل ملقى على الأرض محطمًا منھكًا
.. یمد یده إلى إناء فارغ مقلوب أمامھ .. ما معنى ذلك ؟
اسمھ إسماعیل دیاب .. كان یعرف الكثیر لكنھ لم یتصور قط أن رسومھ محفورة في جیلین على الأقل ممن لم
یقرءوا الأدب إلا مرسومًا بریشتھ الساحرة شبھ التأثیریة .. منذ كانوا أطفالاً یقرءون قصص دندش وباسل في مجلة
سمیر حتى عرفوا أن ھناك من یدعى جي دي موباسان وبلزاك...
كنت تلمح في وجھھ الطیب المجعد الذي رأى كل شيء، وشعره الأشیب تلك السمات التي لا تخطئھا العین .. سمات
الناسك الذي یردد: "فلتزأر العاصفة" ویرمق الحیاة في ترفع باسم.. تلك النظرة التي رأیتھا من قبل في عیني نجیب
محفوظ وغاندي وماركیز وتشیكوف وماندیلا.. یشعل لفافة تبغ أخرى ویقول في فخر: "أنا لا أملك أي شيء وأحمد
الله على ھذا"..
اسمھ إسماعیل دیاب .. لم یكن یتكلم كثیرًا عن نفسھ .. وبصعوبة بالغة تعرف أنھ ابن الإسماعیلیة .. تخرج في كلیة
الفنون الجمیلة عام 1962 .. ھذه الدفعة ضمت أسماء لیست أقل من اللباد وجمیل شفیق وعبد الغفار شدید ..
كانت تجاعید وجھھ خارطة مفصلة لتاریخ الصحافة المصریة بعد الثورة .. لقد عمل في أخبار الیوم وروز الیوسف
ودار الھلال (مجلة سمیر) ودار المعارف والأھرام والھیئة العامة للكتاب .. وكان في حیاتھ سر أكثر جمالاً ھو أنھ
شقیق الأدیب محمود دیاب .. لم أعرف ھذا إلا عندما أخبرني بھ .. محمود دیاب .. الكاتب الثائر الذي تنبأ
بالتحولات المرعبة التي توشك أن تعید الاستعمار الخفي إلى مصر .. مسرحیة دنیا بیانولا .. مسرحیة تتنبأ بالخراب
الذي یقودنا إلیھ الانفتاح، وللمرة الأولى نرى تیمة العائد من الخارج لیھدم بیت الأسرة القدیم وھي تیمة استعملھا
الجمیع فیما بعد .. یوسف السباعي كان ضمن الموجودین في العرض الأول وقد كان رحمھ الله من قادة كتیبة
الانقلاب ضد مثقفي الستینات، وقد أدرك بفطنتھ الإشارات التي یرسلھا ھذا العرض .. وقد ظل یشاھد الأحداث
متذمرًا ثم انفجر فجأة واصفًا المسرحیة بأنھا كلام فارغ وتھریج .. ھنا انفجر فیھ محمود دیاب بدوره .. وكانت ھذه
نھایة المسرحیة ..وبعد أیام احترق المسرح كأن الأقدار تأبى إلا أن تشارك في ھذه اللعبة العبثیة ..
محمود دیاب یدرك حقیقة أن الزمن لم یعد زمنھ وأن قواعد جدیدة توضع للعبة، وھو ذا یعتزل العالم في شقتھ
الواقعة خلف مستشفى ھلیوبولیس .. یرقب الناس من الشرفة مشمئزًا مندھشًا من قدرتھم على الحیاة وسط ھذا
10 یموت محمود دیاب غریبًا محبطًا كما مات من قبلھ ومن بعده جمال حمدان ورجائي /10/ الزیف .. یوم 1983
علیش ونجیب سرور وآخرون لن یتوقفوا عن الدھشة فالحزن فالانكسار فالموت ..
الآن یخیل إلي أنني أفھم الصورة الزیتیة المعلقة على الجدار وراء الفنان ..اسمھ إسماعیل دیاب .. وكانت ذكرى أخیھ من اللحظات النادرة التي یتكلم فیھا عن نفسھ كثیرًا وبلا توقف ..یتكلم
عن أولاد أخیھ ھشام وھالة وھبة .. أذكر یوم جلبت لھ مقالاً طویلاً نشر في مجلة وجھات نظر عن محمود دیاب،
ورأیت الفرحة الطفولیة تغزو وجھھ ..كان یحتفظ بكل ما كتب أخوه ولا اعتقد أنني كنت واجدًا أیة نسخة من الظلال
في الجانب الآخر إلا تلك التي أقرضني إیاھا .. دعك من الھرمیتات الصوفیة التي كان یطالعھا أكثر من مرة
أسبوعیًا والتي أثرت حنقھ عندما اعترفت بأنني لم أفھمھا أو فھمتھا ولم أفھم المراد بھا..
لم أكن أعرف أن لھ ابنًا في العقد الرابع من العمر.. (وائل) مصمم جرافیك في الأھرام.. وابنة ھي (جیھان)..
موظفة في الثقافة الجماھیریة .. كان یقول لابنھ: "یا بني أنا عمري ما كنت معاك أب .. أنا صاحبك وأخوك.".
تلقى الكثیر من عقود العمل بالخلیج، لكنھ لم یسمح لنفسھ بالسفر خارج مصر إلا للسیاحة .. من على شاكلتھ جمیعًا
لا یعرفون لأنفسھم عملاً ولا بیتًا ولا قبرًا خارج مصر .. سافر لأمریكا عام 1978 وقضى ثمانیة أشھر یدرس
تصمیم المناھج الدراسیة .. قضى في الریاض یومین لا أكثر .. ثم عاد .. دائمًا یعود .. لم یقم أي معرض خاص قط
.. معرضھ الدائم كان على أغلفة الكتب .. مرسمھ الصغیر في المسافرخانة بالحسین احترق عام 1997 ومن وقتھا
استقر في شقتھ الصغیرة بمیدان الجیش .. یعمل في تصمیم روایات مصریة للجیب الموجھة للشباب ویبدي رضاه
عن ھذا العمل .. رسومھ تحفر نفسھا بقوة في تعاریج مخ جیل كامل.. لا یتحدث عن أجره فھو یقبل أي مبلغ یكفیھ
لیحیا .. بینما دور النشر الأخرى جمیعًا تتصارع من اجل الاستئثار بھ .. فلتزأر العاصفة .. فلتزأر العاصفة..
الآن یتكلم عن اللوحة المعلقة على الجدار .. لقد رسمھا یوم 6 یونیو عام 1967 عندما عرف الحقیقة .. إنھ ذات
الشرخ الذي تجده في نفسیة كل مثقفي الستینات ..یسھل أن تعرف ما شعر بھ في تلك اللحظات القاسیة..
كان في عالم الرسم یعشق التأثیریین .. یعشق جوجان ورینوار ودیجا .. لكنھ كان یحمل حبًا خاصًا لرمبرانت .. ھذا
الجو المظلم الذي یخترقھ الضوء الذھبي القادم من الیسار .. ھذا الزیغ كان یروق لھ، خاصة عندما عرف أن
رمبرانت كان واھن البصر في أیامھ الأخیرة .. في الوقت ذاتھ كانت عدسة عینھ تزداد إعتامًا واستطاع ان یرى
العالم كما رآه رمبرانت .. وأن یفھمھ..
بالنسبة للمصریین كان یعشق بیكار ومحمود سعید .. صدیق عمره محمد قندیل الذي تزوج ابنھ – ابن إسماعیل
دیاب - ابنتھ .. زھران سلامة .. اللباد .. جمیل شفیق .. رمزي مصطفى ..
اسمھ إسماعیل دیاب .. وعندما توفي في صمت وسلام في ذلك الأسبوع الصاخب الحزین، كان العالم یتحدث عن
وفاة رفیق الحریري وثابت البطل .. لكن الشباب الذي عشق أعمالھ – الآلاف منھم - أقام لھ حفل تأبین لا یوصف
على شبكة الإنترنت وفي منتدیاتھا .. طلاب مدارس إعدادیة .. طلاب جامعة .. خبراء كمبیوتر .. خبراء علم وراثة
.. أطباء .. مھندسون .. معلمون .. محاسبون .. كلھم بكوه بحرقة دون أن یطلب منھم أحد شیئًا، وولد اقتراح بعمل
معرض دائم على الإنترنت لھ، كما اقترح البعض أن تصدر القصص التالیة بغلاف أسود لأنھم لا یقبلون أن یروا
رسامًا آخر على الأغلفة .. والعالم یتحرك ولا یشعر بكل ھذه الشموع الموقدة في ذكراه وسط ظلام شبكة الإنترنت
.. ولو شعروا بھا لأصابھم الذھول..
اسمھ إسماعیل دیاب .. أبي ومعلمي.. وقطرة أخیرة من ذلك الزمن الجمیل الذي ضاع .. كان فنك أجمل من حیاتك
.. وكانت حیاتك أجمل من فنك .. فشكرًا على كل شيء.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More